شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٨٤ - الفصل التّاسع عشر فى تعديد الوجوه الّتى يمكن أن تقع الملازمة بين الهيولى و الصّورة
ثمّ اعلم أنّه لا بدّ من تصحيح هذه القضيّة بالحجّة؛ لأنّ الّذى سبق هو أنّ الصّورة لا تخلو عن الهيولى، و الهيولى لا تخلو عن الصّورة. و هذا القدر لا يكفى في بيان أنّ الهيولى مفتقرة في وجودها بالفعل إلى الصّورة لاحتمال أن يكونا متلازمين و إن لم تكن إحداهما مؤثّرة في الأخرى. كالأبوّة [٨] و الأخوّة و بالجملة كالمضافين [٩] فإنّهما متلازمان وجودا و عدما مع أنّه لا يكون واحد منهما [١٠] مفتقرا فى وجوده إلى الآخر. و إن [١١] وجب [١٢] افتقار أحدهما إلى الآخر لكنّ [١٣] الصّورة هى المفتقرة [١٤] إلى الهيولى من غير عكس، و سيأتى بعد ذلك إبطال هذين الاحتمالين.
و أمّا قوله: «فإمّا أن تكون الصّورة هى العلّة المطلقة الأوّليّة لقوام الهيولى، أو تكون الصّورة آلة أو واسطة لمقيم آخر تقيم الهيولى بها مطلقا، أو تكون شريكة لمقيم باجتماعهما تقوم الهيولى»؛
فاعلم أنّ هذه الأقسام الثّلاثة بأسرها أقسام: القسم الأوّل و هو أن تكون الهيولى محتاجة إلى الصّورة.
و الفرق بين الآلة و الواسطة أنّ كلّ آلة واسطة، و ليست كلّ واسطة آلة؛ لأنّ الآلة لا تكون موجدة و لكن [١٥] يتوقّف إيجاد الموجد للشّىء على توسّط ذلك الشّىء؛ و أمّا المتوسّط فقد يكون مؤثّرا و هو العلّة القريبة، فإنّها تكون متوسّطة بين المعلول، و بين العلّة البعيدة.
و أمّا قوله: «أو تكون لا الهيولى تتجرّد عن الصّورة، و لا الصّورة تتجرّد عن الهيولى، و ليس أحدهما أولى بأن يكون مقاما به الآخر من الآخر بعكسه، بل يكون سبب ما آخر [١٦] خارجا عنهما يقيم كلّ واحد منهما مع الآخر و بالآخر [١٧]»
؛ فاعلم أنّه لمّا فرغ عن تعديد [١٨] أقسام القسم الأوّل أراد أن يذكر الأقسام الباقية، إلّا أنّه لم يذكر القسم الثّانى، و هو أن تكون الصّورة مفتقرة إلى الهيولى. و إنّما لم يذكره لأنّ الّذى جعله مورد القسمة، و هو أنّ [١٩] الهيولى مفتقرة في وجودها إلى مقارنة الصّورة، لا يحتمل [٢٠] هذا القسم. بل ذكر القسم الثّالث و الرّابع مع [٢١] الشّبهة الّتى يمكن أن يتمسّك بها من أراد المصير إلى واحد منهما. فإنّ لقائل أن يقول: لمّا ثبت أنّ الهيولى لا تخلو عن الصّورة، و أنّ
[٨] - كالأبوّة:- م.
[٩] - كالمضافين: كالمتضايفين مج.
[١٠] - واحد منهما: أحدهما م.
[١١] - و إن: ثمّ إن مج.
[١٢] - وجب: أوجب م.
[١٣] - لكن: لتكن مج.
[١٤] - المفتقرة: مفتقرة مص.
[١٥] - لكن:- م.
[١٦] - آخر:- مص.
[١٧] - مع الآخر و بالآخر: بالآخر و مع الآخر م.
[١٨] - تعديد: بعد هذا مج.
[١٩] - و هو أن: هو أن تكون مص.
[٢٠] - لا يحتمل: و لا يحتمل مص.
[٢١] - مع:+ أنّ مص.