شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٢٤ - الفصل الخامس فى بيان الدّليل الرّابع على تجرّد القوّة العاقلة و هو أنّها لو كانت منطبعة في جسم لكانت إمّا دائمة التّعقّل لذلك الجسم أو لا تكون مدركة له دائما، مع أنّها مدركة له في بعض الأوقات دون البعض
ارتفع [١] الامتياز بينهما من كلّ الوجوه، فلا يفضى إلى انقلاب الاثنين واحدا، فلا يكون محالا.
لا يقال: لم كان أحدهما بالمحلّيّة و الآخر بالحالّيّة أولى من العكس مع تماثلهما؟ لأنّا نقول:
لأنّ [٢] الّذى هو محلّ القوّة كان موجودا [٣] أوّلا، ثمّ حلّت القوّة فيه [٤] ثانيا. فإذا جاءت الصّورة الأخرى، كانت القوّة غنيّة عن الحلول فيها. و أيضا فالجسم الواحد قد يحلّ فيه أعراض كثيرة موجودة.
و لا شكّ أنّ وجود كلّ واحد منها زائد على ماهيّته. فإذا [٥] كانت تلك الأعراض قائمة بأسرها بذلك المحلّ، لزم اجتماع وجوداتها في ذلك المحلّ. فيلزم اجتماع المثلين [٦]، و هو محال.
فلئن [٧] قالوا: إنّ [٨] كلّ واحد من تلك الوجودات عارض لماهيّة أخرى، فيحصل الامتياز بسبب ذلك؛ فنقول: و لم كان بعض الوجودات [٩] بأن يكون عارضا لبعض تلك الماهيّات بأولى من العكس؟ و لو جاز ذلك، فلم لا يجوز أن يكون شىء محلّا لتلك القوّة العاقلة، و شىء آخر يكون حالّا فيها [١٠]؟
ثمّ إن نزلنا عن كلّ هذه المقامات، و لكنّ هذه الحجّة تقتضى أن تكون النّفس عالمة بجميع صفاتها و لوازمها أبدا؛ لأنّ علمها بلوازمها إمّا أن يكون مغايرا لحصول تلك [١١] اللّوازم، و إمّا أن لا يكون. و الأوّل يلزم منه اجتماع المثلين. بل هذا الكلام ههنا أمكن و أمتن؛ لأنّ تلك [١٢] اللّوازم و العلم بها [١٣] كلاهما [١٤] حالّان في النّفس النّاطقة، فيكون اجتماع المثلين حاصلا. و أمّا فيما ذكرتموه، فقد بيّنّا أنّ أحد المثلين محلّ و الآخر [١٥] حالّ. و أمّا الثّانى، فإمّا أن يكون حصول تلك اللّوازم كافيا فى إدراك النّفس النّاطقة لها، فيلزم أن تكون مدركة لها أبدا [١٦]. و إمّا أن لا يكفى [١٧]، فحينئذ يجب أن لا تدركها أبدا [١٨]، فثبت أنّ الّذى ذكروه يوجب عليهم ما ألزمناه. و لنرجع إلى التّفسير.
أمّا قوله: «لو كانت القوّة العقليّة منطبعة في جسم من قلب أو دماغ لكانت دائمة التّعقّل له، أو كانت لا تتعقّله [١٩] ألبتّة [٢٠]»
؛ فالمراد من هذه الشّرطيّة ظاهر.
[١] - ارتفع: لا يقع س.: أن يقع مج.
[٢] - لأنّ:- ط.
[٣] - الّذى هو ... كان موجودا: الّتى هى ... كانت موجودة س.
[٤] - فيه: فيها س.
[٥] - فإذا: و إذا ط، م، مص.
[٦] - المثلين: الأمثال س.
[٧] - فلئن: و إن ط، م، مص.
[٨] - إنّ:- مج.
[٩] - بعض الوجودات: بعض تلك الموجودات ط.
[١٠] - فيها: فيه مج، مص.
[١١] - تلك: لتلك س.
[١٢] - تلك:- ط.
[١٣] - بها: بهما ط.
[١٤] - كلاهما:- مص.
[١٥] - الآخر: الثّانى ط.
[١٦] - أبدا:- مج.
[١٧] - أن لا يكفى: أن لا يكون كافيا مج.: الآن فلا يكفى ط.
[١٨] - أبدا: أصلا س.
[١٩] - لا تتعقّله: لا تتعقّل مص.
[٢٠] - التّعقّل له ... ألبتّة: على الهامش س.