شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٢٢ - الفصل الخامس فى بيان الدّليل الرّابع على تجرّد القوّة العاقلة و هو أنّها لو كانت منطبعة في جسم لكانت إمّا دائمة التّعقّل لذلك الجسم أو لا تكون مدركة له دائما، مع أنّها مدركة له في بعض الأوقات دون البعض
أن يكن ذلك لحضور [١] صورة أخرى مساوية لذلك الجسم [٢] فى القوّة العاقلة، أو لحضور نفس ذلك الجسم عند القوّة العاقلة. و الأوّل باطل؛ لأنّ تلك الصّورة المساوية لذلك الجسم إذا حصلت فى القوّة العاقلة [٣]، و ذلك الجسم أيضا حاضر عند القوّة العاقلة، فحينئذ قد اجتمع المثلان [٤]، و هو محال. و لمّا بطل ذلك تعيّن [٥] القسم الأوّل و هو أن يكون إدراك القوّة العاقلة لذلك الجسم ليس إلّا لحضور ذلك الجسم عندها. ثمّ إن كان [٦] ذلك الحضور كافيا في حصول الإدراك، يلزم أن يكون مدركا لها أبدا. و إن لم يكن كافيا وجب أن لا تدركه [٧] أبدا. لأنّها لو أدركته في وقت دون وقت لكان ذلك لتجدّد صورة أخرى مساوية للمعلوم في العالم [٨] بناء على ما ثبت أنّه لا معنى للإدراك إلّا ذلك، و حينئذ يلزم اجتماع المثلين، و هو محال. فقد ظهر أنّ القوّة العاقلة لو كانت حالّة في قلب أو دماغ لوجب فيها أن تدركه دائما او أن لا تدركه دائما [٩] و لما لم يكن [١٠] كذلك بل علمنا بالضرورة أنّها تستحضر [١١] صورة القلب و الدّماغ تارة و لا تستحضرها [١٢] أخرى، علمنا فساد التّالى. و ذلك يدلّ على فساد المقدّم.
و لقائل أن يقول: هذه الحجّة مبنيّة على مقدّمات باطلة: فإحديها [١٣] أنّ من عقل شيئا حصل فى ذاته صورة مساوية في تمام الماهيّة لذلك المعقول، و هو باطل كما [١٤] مرّ تقريره. و الّذى نعيده [١٥] الآن أنىّ إذا عقلت السماء، فالأثر الّذى حصل في ذهنى عند ذلك التّعقّل أعلم بالضّرورة أنّه ليس بمساو للسّماء [١٦] الموجودة في الخارج في تمام الماهيّة. و لو جاز التّشكّك [١٧] فيه لجاز أن يقال:
السواد مثل البياض في تمام الماهيّة [١٨]، لأنّ المناسبة بين السواد و البياض أتمّ منها بين السماء [١٩]. و بين [٢٠] الأثر الحاصل في النّفس عند ما نعقلها. فإنّ السواد و البياض يشتركان [٢١] فى كونهما
[١] - لحضور:- م.
[٢] - الجسم:+ إذا حصلت ط.
[٣] - أو لحصور نفس ... فى القوّة العاقلة:- س.
[٤] - المثلان: الميلان م.
[٥] - تعيّن: يعنى مص.
[٦] - كان:- م.
[٧] - لا تدركه: لا تكون مدركة مص.
[٨] - العالم: العلم مج.
[٩] - أن لا تدركه دائما:- م.
[١٠] - لم يكن:+ الأمر ط، م، مص.
[١١] - أنّها تستحضر: أنّا نستحضر ط، م، مص.
[١٢] - لا تستحضرها: لا نستحضرها ط، مص.
[١٣] - فإحديها: أحدها م، مص.
[١٤] - كما: لما س.
[١٥] - نعيده: نفيده مج.
[١٦] - بمساو للسّماء: يساوى السماء ط.
[١٧] - التّشكّك: الشّكّ ط.
[١٨] - فى تمام الماهيّة:- م.
[١٩] - السماء:+ و الأرض ط.
[٢٠] - بين:- ط، مج، مص.
[٢١] - يشتركان: مشتركان م، مج، مص.