شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٤٠ - الفصل الرّابع فى أنّ علّة حقّيّة جميع الحقائق أولى بالتّجرّد من غيرها
و الوهم، و هى من علائق الأمور المحسوسة. فما ظنّك بموجودات إن كانت خارجة الذّوات عن درجات [١] المحسوسات و علائقها؟
التّفسير: هذه حجّة ثانية على فساد قول من يقول: لا موجود إلّا المحسوس و المتوهّم. و تقريرها [٢] أنّ من اعترف بالمحسوس و المتوهّم، فلا بدّ له من الاعتراف بالحسّ و الوهم. و كلّ واحد منهما غير محسوس بشىء من الحواسّ، و لا متوهّم [٣] أيضا. فإذن يلزم من الاعتراف بالمحسوس و المتوهّم الاعتراف بغير المحسوس و غير [٤] المتوهّم. و أيضا فكلّ عاقل لا ينكر عقله [٥] نفسه، مع أنّ العقل غير محسوس و لا متوهّم.
و أمّا قوله: «و من بعد هذه الأصول»
إلى آخره؛ فمعناه أنّ الاعتراف بالمحسوس و المتوهّم يوجب الاعتراف بغير المحسوس و غير المتوهّم، و ذلك هو الحسّ و الوهم و العقل. و أمّا هذه الصّفات الأخر فليست كذلك، أى ليس يلزم من الاعتراف بالمحسوس و المتوهّم الاعتراف بها [٦]، و لكنّا نعلم بالضّرورة وجودها و أنّ شيئا منها غير محسوس و لا متوهّم. و إذا ثبت أنّ في الموجودات المحسوسة أمورا غير محسوسة، فكيف يمكن الاستبعاد من وجود موجودات لا تعلّق لها بالمحسوسات أصلا؟
الفصل الرّابع [فى أنّ علّة حقّيّة جميع الحقائق أولى بالتّجرّد من غيرها]]
تذنيب: كلّ حقّ فإنّه من حيث حقيقته الذّاتيّة، الّتى بها هو حقّ، فهو متّفق واحد غير مشار إليه.
فكيف ما به ينال كلّ حقّ وجوده؟
التّفسير: قوله [٧]: «كلّ حقّ»؛ أى كلّ موجود. و حاصله أنّ كلّ موجود [٨] فإنّك إذا أخذت ماهيّته، محذوفا عنها مشخّصاتها [٩]، فإنّها تكون غير محسوسة و لا موهومة. و إذا كان الأمر في كلّ
[١] - درجات: درجة مص.
[٢] - تقريرها: تفسيرها ط.
[٣] - لا متوهّم: لا بمتوهّم مج، مص: لا يتوهّم م.
[٤] - غير:- مج.
[٥] - عقله: عقل م.
[٦] - الاعتراف بالمحسوس و المتوهّم الاعتراف بها: الاعتراف بها الاعتراف بغير المحسوس و غير المتوهّم س.
[٧] - قوله:- س.
[٨] - أى كلّ موجود ... كلّ موجود:- م.
[٩] - مشخّصاتها: مشخّصاته م، مج، مص.