شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٩٢ - الفصل السابع عشر فى أنّ الصّورة العقليّة لا تنقسم إلى أجزاء متشابهة الطّبائع، فيستحيل أن تكون جسمانيّة
ذكرتموها، جرّدنا النظر إلى ماهيّتها، كانت تلك الماهيّة من حيث هى هى أمرا ممتازا عن سائر الصّفات الّتى لها، و هى بهذا الاعتبار مجرّدة؛ فنقول: فهذا [١] المعنى من التّجريد [٢] حاصل عند ما تكون الصّورة حالّة في الجسم. فإنّ الصّورة الحالّة في الجسم [٣] إذا نظر إلى ماهيّتها مع قطع النظر عن وضعها و مقدارها و حلولها في الجسم كانت مجرّدة. فعلمنا أنّه لا يفترق الحال بين كون الصّورة جسمانيّة أو نفسانيّة في كونها مجرّدة أو غير مجرّدة.
و اعلم أنّا بيّنّا [٤] فيما مضى أنّه لا يجوز أن يكون في العقل صورة كلّيّة مجرّدة [٥]، و بيّنّا أنّ الكلّى المجرّد ليس إلّا الجزء [٦] المشترك بين الأشياء الموجودة في الخارج، و أنّ إطلاق لفظ [٧] الكلّيّة و التّجرّد على التّعقّل [٨] شىء مجازىّ.
و من الشّكوك على هذه الحجّة أنّه لمّا كان هذا البرهان [٩] لا يتمّ إلّا بهذا التّقدير، فهذا القدر لو صحّ كان كافيا في إفادة المطلوب؛ لأنّا نقول: كلّ عرض حلّ [١٠] فى المتحيّز فلا بدّ و أن يكون له وضع و إليه إشارة بسبب محلّه. و كلّ ماله وضع، لم يكن مجرّدا عن اللّواحق. لكنّ الصّورة العقليّة مجرّدة عن اللّواحق. فيجب أن تكون [١١] حالّة في الجسم. فهذا القدر [١٢] لو صحّ، لكفى في بيان تجرّد النّفس من غير حاجة إلى بيان أنّ الصّورة العقليّة هل تنقسم بانقسام [١٣] محلّها، أم لا؟ و أنّ ذلك [١٤] الانقسام كيف هو؟ فهذا آخر الكلام في تتميم هذه الحجّة.
و الأولى عندى في تقريرها [١٥] أن يقال: كلّ [١٦] ما يحلّ في الجسم ينقسم بانقسامه، فنقول: و العلم بالأشياء البسيطة يستحيل أن ينقسم؛ و إلّا لكان جزؤه [١٧] إمّا أن يكون علما [١٨] بذلك المعلوم، أو لا يكون. فإنّ لم يكن علما [١٩] بذلك المعلوم، فعند اجتماع تلك الأجزاء إمّا أن تحدث الكيفيّة المسمّاة بالعلم [٢٠]، أو لا تحدث. فإن لم تحدث، لم يكن [٢١] هناك علم بذلك المعلوم أصلا؛ هذا خلف. و إن
[١] - فهذا: هذا م، مج.
[٢] - التّجريد: التّجربة مج.
[٣] - فى الجسم:- س، مج.
[٤] - بينّا: قد بينّا ط، م.
[٥] - كلّيّة مجرّدة: مجرّدة كلّيّة مص.
[٦] - الجزء: بجزء مص.: أجزاء ط.
[٧] - لفظ: لفظة مص.
[٨] - التّعقّل: العقل م، مص.
[٩] - هذا البرهان: البرهان مج.
[١٠] - حلّ: حالّ ط، م.
[١١] - أن تكون: أن لا يكون ط، م.
[١٢] - القدر: التّقدير م.
[١٣] - بانقسام: بأقسام م.
[١٤] - ذلك:- ط.
[١٥] - تقريرها: تقرير هذه الحجّة س، مج.
[١٦] - كلّ: إنّ كلّ م، مص.
[١٧] - جزؤه:- س.
[١٨] - علما: عالما مص.
[١٩] - علما: عالما مص.
[٢٠] - بالعلم:+ بذلك المعلوم ط، م، مص.
[٢١] - لم يكن:- س.