شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٨ - البحث الثّانى فى إبطال الجزء الّذى لا يتجزّأ
يوجب الانقسام، و قد فرضناه غير منقسم؛ هذا خلف.
و أمّا بيان فساد القسم الثّانى، و هو أن يقال: إنّه لا يمنع الطّرفين عن التّلاقى، فهو أنّه لو كان كذلك لكان كلّ واحد من الطّرفين ملاقيا [١] للوسط بالكلّيّة. و المعنى [٢] بذلك هو أن يكون الإشارة إلى الوسط إشارة إلى كلّ واحد من الطّرفين. و لو كان كذلك لكانت الأجزاء متداخلة، لكنّ القول بالتّداخل يقتضى انقسام الأجزاء. و بتقدير أن لا يقتضى [٣] ذلك فإنّ القول به محال.
أمّا بيان أنّ القول بالتّداخل يقتضى [٤] تجزئة الأجزاء، فلأنّ كلّ ما دخل في شىء و نفذ فيه فإنّه يفرض هناك أمور ثلاثة على التّرتيب: فإنّ النّافذ لا بدّ و أن يلاقى طرفه طرف المنفوذ فيه أوّلا؛ ثمّ إنّه يتحرّك إلى المنفوذ [٥] فيه ثانيا، ثمّ إنّه يحصل بعد ذلك تمام النّفوذ ثالثا. و لا شكّ أنّ القدر الّذى يلقى النّافذ من المنفوذ فيه أوّلا غير الّذى لقيه منه حال النّفوذ ثانيا [٦]. و القدر الّذى لقيه حال النّفوذ [٧] غير الّذى يلقاه منه عند حصول النّفوذ [٨] فيه بتمامه. و ذلك يوجب انقسام تلك الأجزاء.
و أمّا بيان أنّ القول بالتّداخل محال، فلأنّ الأجزاء المتداخلة إمّا أن تتداخل بالكلّيّة، أو لا بالكلّيّة. فإن تداخلت لا بالكلّيّة، كان الدّاخل من كلّ جزء في الآخر غير ما لم يدخل فيه، و ذلك يقتضى الانقسام. و إن تداخلت بالكلّيّة لم يزد مقدار الثّلاثة على مقدار الواحد. فعلى هذا لو انضمّ إلى مجموع تلك الثّلاثة جزء رابع و خامس فإنّه لا يزيد المقدار ألبتّة. فحينئذ لا يكون تألّفها مفيدا للعظم و المقدار. و إذا [٩] كان كذلك لم يكن العظم حاصلا من تألّف تلك الأجزاء، و ذلك يبطل القول بتألّف [١٠] الأجسام منها [١١]. فثبت بما ذكرنا فساد قسمى التّالى، فلزم منه فساد المقدّم و هو تركّب الجسم من الأجزاء الّتى لا تتجزّأ.
و أمّا القائلون بالجزء فقد تمسّكوا في إثبات مذهبهم بأن قالوا: لا شكّ في وجود الحركة، و لا شكّ أنّ الماضى و المستقبل منها معدومان. فإذن لا بدّ و أن يوجد منها في الحال شىء [١٢]؛ لأنّه لو لم يكن لها وجود في الحال لم يكن شىء منها ماضيا و لا مستقبلا؛ لأنّ الماضى هو الّذى كان حاضرا
[١] - ملاقيا: لاقيا مص.
[٢] - المعنى: المعيّن م.
[٣] - لا يقتضى: يقتضى مج.
[٤] - ذلك فإنّ ... يقتضى: على الهامش م.
[٥] - المنفوذ: النفوذ مج.
[٦] - ثانيا:- مج، مص.
[٧] - النّفوذ:+ ثانيا م.
[٨] - حصول النّفوذ: حصول المنفوذ مص.
[٩] - و إذا: فإذا مص.
[١٠] - بتألّف: بتأليف م.
[١١] - منها: ههنا مج.
[١٢] - منها في الحال شىء: شىء منها في الحال م.