شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٢٣ - الفصل الثّالث فى بيان ساير أحوال محدّد الجهات
الأوّل؛ لكنّه يشبه أن يكون الشكّ الثانى أقوى من هذا الكلام [١]، فلا جرم لم نحكم نحن بتلك الأولويّة [٢] أيضا.
و أمّا قوله: «فإن كان للقسم الثّانى وجود فيتحدّد بالأوّل موضعه، و يتحدّد به موضع الثّانى و وضعه، ثمّ يتحدّد بعد ذلك جهات الحركات المستقيمة»
؛ فاعلم أنّ المراد منه أنّه لو كان الحقّ هو أنّ محدّد الجهات غير الفلك الأعظم فحينئذ يكون الفلك الأعظم علّة مثلا لموضع فلك الثّوابت و لوضعه، و فلك الثّوابت يكون علّة مثلا [٣] لموضع فلك زحل و لوضعه. و هكذا كلّ فلك فإنّه يكون علّة لموضع الفلك الّذى في حشوه الملاصق له، و لوضعه، إلى أن ينتهى إلى الفلك الّذى يكون علّة لتحدّد جهات الحركات المستقيمة. و بالجملة فإنّ كلّ فلك يتحدّد وضعه [٤] و موضعه بالفلك المحيط، و يتحدّد به الفلك الّذى في حشوه الملاصق له الّذى هو ثانى بالنّسبة إليه وضعه و موضعه [٥].
و أمّا قوله: «و يكون الأوّل إنّما يخلق به أن يكون متقدّما في رتبة الإبداع»
؛ فاعلم أنّ تفسيره إنّما يظهر بعد عدّ أقسام التّقدّم و هى خمسة: أحدها، بالعلّيّة كتقدّم المضىء على الضّوء. و ثانيها، بالطّبع كتقدّم الواحد على الاثنين. و ثالثها، بالشّرف كتقدّم العالم على الجاهل. و رابعها، بالمرتبة إمّا فى أمر معقول كتقدّم الجنس العالى على الجنس السافل إذا جعل الجنس الأعلى [٦] مبدءا، و بالعكس إذا جعل النّوع مبدءا؛ أوفى أمر محسوس كتقدّم الإمام على المأموم. و خامسها، التّقدّم بالزّمان كتقدّم الوالد على الولد. و إذا عرفت ذلك فالفلك الحاوى ليس علّة لسائر الأجسام. فإذا لم يكن علّة لتحدّد جهاتها لم يكن له تقدّم عليها لا بالعلّيّة و لا بالطبع، بل إمّا بالشّرف أو بالرّتبة. أى إنّك إذا نزلت من المبدأ الأوّل إلى المعلولات، فإنّ وصولك إلى الفلك الأوّل قبل وصولك إلى سائر الأجسام.
و اعلم أنّ إثبات كون الفلك الأوّل متقدّما على غيره كالمناقض في الظّاهر [٧]، لما سيأتى [٨] فى النّمط السادس من أنّ الفلك الحاوى لا تقدّم له على المحوىّ أصلا، لكنّا ربّما بيّنّا هنالك أنّه لا مناقضة بين هذين الكلامين.
و أمّا قوله: «و يكون متشابه نسبته وضع ما يفرض له أجزاء فيكون مستديرا»؛
فاعلم أنّ المراد
[١] - الكلام:- مص.
[٢] - الأولويّة: الأوّليّة مص.
[٣] - لموضع فلك ... مثلا:- مج.
[٤] - وضعه: فموضعه مص.
[٥] - و يتحدّد به ... وضعه و موضعه:- مص.
[٦] - الجنس الأعلى: الأعلى مص.
[٧] - فى الظّاهر: للظّاهر مج.: ثابتة على الهامش م.
[٨] - لما سيأتى: كما سيأتى م.