شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٢٧ - الفصل التّاسع و العشرون فى إثبات أنّ للفلك مبدءا ذا إرادة جزئيّة
فى المطلوب الثّانى و هو إثبات أنّ للفلك مبدءا ذا إرادة [١] جزئيّة [٢]. و الدّليل عليه [٣] أنّ نسبة الكلّىّ إلى جميع الجزئيّات واحدة، فليس بأن يصدر عن الكلّىّ جزئىّ أولى من غيره. فإمّا أن يحصل الكلّ [٤] و هو محال، أو لا يحصل شىء منها و هو المطلوب. فثبت أنّ الرّأى [٥] الكلّىّ لا يصدر عنه شىء جزئىّ، و أنّه لا بدّ لذلك الجزئىّ من إرادة جزئيّة، و صاحب الإرادة الجزئيّة قوّة جسمانيّة. فقد ثبت النّفس الجسمانيّة [٦] للفلك.
و لقائل أن يقول: إدراك الشّىء المعيّن نسبة بين القوّة المدركة و بين ذلك الشّىء المعيّن، و النّسبة بين الأمرين لا تتحقّق إلّا بعد حصول كلّ واحد منهما في نفسه، فإدراك الشّىء المعيّن من حيث أنّه معيّن [٧] متوقّف على حصول ذلك الشّىء. و حصول أفعالنا [٨] متوقّف على إيجادنا لها و تكويننا إيّاها، فلو توقّف تكويننا إيّاها على شعورنا بها [٩] من حيث أنّها هى لزم الدّور. فإنّها لا توجد إلّا بعد إيجادنا [١٠] لها، و لا نوجدها إلّا بعد أن نعلمها بعينها [١١]، و لا نعلمها بعينها إلّا بعد تعيّنها، و لا تتعيّن هى إلّا عند [١٢] وجودها، فظهر ممّا قلنا لزوم الدّور.
و أيضا فلأنّا إذا رجعنا إلى أنفسنا، و اختبرنا أحوالنا، علمنا قطعا أنّا متى حاولنا فعل حركة [١٣] فإنّا لا نحاول إلّا إيجاد الحركة من حيث هى حركة في الموضع الفلانى في الوقت الفلانى. و كلّ ذلك لا ينافى الكلّية. فأمّا أن يقال: أنّا نقصد ايجاد تلك الحركة المعيّنة من حيث أنّها هى؛ فذلك غير حاصل. و ذلك يوجب القطع بعد [١٤] الاستقراء و الاختبار بأنّ المؤثّر في الفعل الجزئىّ هو القصد [١٥] الكلّىّ، و أنّه لا يتخصّص [١٦] ذلك الجزئىّ بسبب تخصّص المحلّ و الوقت.
ثمّ لئن [١٧] وقعت المساعدة على أنّ الفعل الجزئىّ لا بدّ في حصوله من إرادة جزئيّة، لكن ما ذكرتموه معارض بنفس هذه الإرادات الجزئيّة الحادثة. فإنّها أمور جزئيّة حادثة [١٨]، فلا بدّ لها [١٩] من
[١] - ذا إرادة: إرادة س.
[٢] - كلّيّة شرع ... إرادة جزئيّة: على الهامش بخطّ جديد م.
[٣] - عليه:+ و هو م، مج.
[٤] - الكلّ: الكلّى مص.
[٥] - الرّاى: الذّاتى مج، مص.
[٦] - الجسمانيّة:+ لها م.
[٧] - معيّن: ذلك المعيّن س.: هو مص.
[٨] - أفعالنا: أحوالنا مج.
[٩] - شعورنا بها: شعور لها ط، م.: شعورنا إيّاها مص.
[١٠] - إيجادنا: إيجادها م.
[١١] - نعلمها بعينها: نعلمها س، م.
[١٢] - عند: بعد م.
[١٣] - فعل حركة: الحركة مص.
[١٤] - بعد: بهذا مص.
[١٥] - القصد: الفصل م.
[١٦] - لا يتخصّص: إنّما يتخصّص م.
[١٧] - لئن: و لئن س.: إن مج.
[١٨] - جزئيّة حادثة: حادثة جزئيّة م، مج.: حادثة مص.
[١٩] - لها:+ أيضا م.