شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦٢٢ - الفصل الثّامن عشر فى بيان نقصان الدّرجات الّتى هى دون الوصول بالقياس إليه
ثمّ إذا شمّوا رائحة الأنس باللّه و ابتهجوا بالنّظر إلى جمال اللّه و جلاله، تركوا الالتفات [١] إلى هذه اللذّات [٢] الدّاثرة بقوالبهم و قلوبهم؛ و هذا هو الدّرجة الثّالثة. ثمّ لا يزال يشتدّ [٣] أنسهم بالرّفيق الأعلى و الكأس الأوفى إلى أن يصير الالتذاذ بما سوى اللّه تعالى مستحقرا عندهم في جنب تلك السعادات العالية الرّفيعة. فتلك اللّذّات الّتى كانت متروكة قبل ذلك تصير مستحقرة مرضوضة [٤]، و هذا هو الدّرجة الرّابعة. فهذه درجات التّخلية، و هى في لسان الفلاسفة [٥] درجات الرّياضات السلبية، و في لسان محقّقى الصّوفيّة درجات [٦] التّخلّق بنعوت الجلال [٧]. و أمّا درجات الرّياضات الإيجابيّة المسمّاة [٨] عند المحقّقين بالتّرقّى في مدارج الجمال [٩]، فهى التّخلّق بأخلاق اللّه بقدر الطّاقة البشريّة و المنّة [١٠] الإنسانيّة. و ذلك بأن يصير الإنسان رؤفا عطوفا رفيقا شفيقا، و هذا هو مقام الجمع.
و قد اتّفقت كلمة العارفين على أنّ مقامات السالكين إلى اللّه لا يخلو عن الفرق و الجمع. أمّا الفرق فعمّا [١١] سوى اللّه، و أمّا الجمع ففى اللّه تعالى، إلّا أنّ [١٢] النّفس ما دامت مشغولة باكتساب صفات الجلال [١٣] و نعوت الكمال [١٤] كانت في الفرق بوجه ما؛ لأنّ نظره يتعلّق بنفسه و بتلك الصّفات و بكيفيّة [١٥] اكتسابها، و ذلك [١٦] مانع من [١٧] الاستغراق التّام. يحكى أنّ الحسين بن المنصور لقى [١٨] الخواصّ [١٩] فى البادية، و سأله عن أمره؟ فقال: أروض نفسى [٢٠] فى مقام التّوكّل. فقال الحسين: إذا أفنيت عمرك فى التّوكّل، فمتى تصل إلى اللّه؟
فأمّا الجمع التّامّ فلا يكون إلّا بالوقوف عند باب الأحد الصّمد الحقّ بحيث لا يبقى نظره إلى نفسه، و لا إلى اشتغاله باللّه، و لا إلى استغراقه في اللّه، فيكون هناك الكمال التّامّ. و لنرجع إلى التّفسير [٢١].
و أمّا قوله: «العرفان مبتدىء من تفريق، و نقض، و ترك، و رفض»
؛ فاعلم أنّ هذه الألفاظ
[١] - الالتفات: اللذات مج.
[٢] - هذه اللذّات: هذا الذّات م.
[٣] - يشتدّ: شدّة مج.
[٤] - مرضوضة: مرفوضة ط، م، مج، مص.
[٥] - الفلاسفة: الحكمة مص.
[٦] - درجات:- مج.
[٧] - الجلال:- مص.
[٨] - المسمّاة: السماويّة ط.
[٩] - الجمال: الكمال مج، مص.: الجلال ط، و أيضا على هامش م و أمّا في المتن «الجمال».
[١٠] - و المنّة: واطنه مج.
[١١] - فعمّا: فهو عمّا س.
[١٢] - إلّا أنّ: لأنّ مج.
[١٣] - الجلال: الجمال مص.
[١٤] - الكمال: ط، م.
[١٥] - بكيفيّة: يكفيه مص.
[١٦] - و ذلك: فذلك ط.
[١٧] - من: عن مج.
[١٨] - لقى: أتى س.
[١٩] - الحسين بن المنصور لقى الخواصّ: المنصور لقى حسين بن الخواصّ مص.
[٢٠] - نفسى:- مص.
[٢١] - التّفسير: شرح المتن س.