شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٤ - الفصل السابع فى عدم انفكاك الصّورة الجسميّة عن الهيولى دائما
إن لم تكن الجسميّة غنيّة عن المحلّ كانت محتاجة إلى المحلّ. فهى أينما [١] وجدت كانت محتاجة إلى المحلّ.
و الحاصل أنا لمّا علمنا في الأجسام القابلة للانفكاك احتياج جسميّتها إلى محلّ و مادّة [٢]، علمنا أنّ الجسميّة لذاتها محتاجة إلى المحلّ. و ذلك يقتضى احتياج كلّ جسميّة إلى المحلّ، سواء صحّ الانفكاك على ذلك الجسم أو لم يصحّ. و هذا هو المراد من قول الشّيخ: إنّ الجسميّة [٣] طبيعة واحدة، فإذا عرف [٤] فى بعض الأحوال حاجتها إلى ما يقوم فيه، عرف [٥] أنّ طبيعتها غير مستغنية عمّا يقوم فيه.
و اعلم أنّ على [٦] هذا الكلام شكّين [٧]:
أحدهما، أن يقال: لم قلتم إنّ الجسميّة طبيعة واحدة في الأجسام كلّها؟ و لا يمكن دعوى البديهة فيه، فإنّا قد بيّنّا أنّ الجسم هو الّذى يقبل الأبعاد. فههنا أمور ثلاثة: أحدها الأبعاد الثلاثة؛ و الثّانى نفس قابليّة الأبعاد [٨] الثّلاثة؛ و الثّالث الشّىء الّذى عرض له أن كان قابلا للأبعاد الثّلاثة. فأمّا الأبعاد الثّلاثة فليست نفس الجسميّة عند الحكماء. و أمّا قابليّة الأبعاد الثّلاثة [٩] فقد بيّنّا أنّها ليست صفة ثبوتيّة؛ و بتقدير أن تكون صفة ثبوتيّة فهى صفة خارجة عن ماهيّة الجسم. فإذن ليست الجسميّة إلّا الأمر الّذى عرض له أن كان قابلا للأبعاد الثّلاثة، أو ما لأجله حصلت هذه القابليّة [١٠]. و حقيقة ذلك الأمر [١١] غير معلومة لنا؛ لأنّا لا نعلم منه إلّا أنّه أمر ما يلزمه قبول الأبعاد الثّلاثة. و العلم بكونه لازما لأمر ما [١٢] ليس علما بماهيّته المخصوصة. و العلم بقابليّته للأبعاد الثّلاثة علم بلازم من لوازمه. فإذن ماهيّة الجسم غير معلومة لنا [١٣]. و إذا كان كذلك فكيف يمكن إدّعاء العلم الضّرورى بأنّ الجسميّة ماهيّة مشتركة فيما بين الأجسام؟
و لا يمكن أن يقال: إنّ [١٤] الأجسام لمّا اشتركت في قبول الأبعاد الثّلاثة، و الاشتراك في اللّوازم
[١] - فهى أينما: فهى مهما م.
[٢] - علمنا في ... و مادّة:- م.
[٣] - الجسميّة: الجسم مص.
[٤] - فإذا عرف: و إذا عرفت م.: فإذا عرفت مص.
[٥] - عرف: عرفت مص.
[٦] - على:- م.
[٧] - شكّين: شكّان مص.
[٨] - فههنا أمور ... قابليّة الأبعاد:- م.
[٩] - الثّلاثة:- م.
[١٠] - أو ما لأجله حصلت هذه القابليّة:- م.
[١١] - الأمر: الشّىء مص.
[١٢] - لأمر ما: على الهامش مج.
[١٣] - لأنّا لا نعلم منه ... غير معلومة لنا:- م.
[١٤] - إنّ:- مص.