شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٨٤ - الفصل السابع عشر فى أحوال النّفوس الخالية عن العلوم و الأخلاق الفاضلة و عمّا يضادّها و هم البله
أحوال النّفوس [١] الخالية عن العلوم و الأخلاق. و اعلم أنّ كثيرا [٢] من المتقدّمين، و منهم الإسكندر، ذهبوا إلى أنّها تفنى. لكن الدّلالة المانعة من فناء النّفوس بعد موت البدن غير مختصّة بنفس دون نفس.
و أمّا الأكثرون فقد اتّفقوا على أنّها باقية. و قد اتّفقوا على أنّه لا يجوز أن تبقى بعد موت البدن [٣] معطّلة، بل لا بدّ و أن يكون لها ضرب من السعادة لا تّفاقهم [٤] على أنّه لا معطّل [٥] فى الطّبيعة.
ثمّ [٦] من الحكماء من زعم أنّ تلك النّفوس تتعلّق بضرب من الأجسام السماويّة، و يتّخذها آلات [٧] لإدراكاتها و تخيّلاتها، و يحصل لها بسبب ذلك ضرب من السعادة. و هذا القول ممّا يميل [٨] إليه الشّيخ.
و من النّاس من زعم أنّها تتعلق بأبدان أخر على سبيل التّناسخ. و الشّيخ اشتغل ههنا بابطال [٩] التّناسخ. و الدّلالة على ذلك من وجوه:
الأوّل؛ و هو أنّ الدّلالة قد دلّت على حدوث النّفس، و دلّت على أنّ العلّة الموجدة [١٠] لها جوهر مفارق أزلىّ [١١]. و إذا كان كذلك وجب أن يكون حدوثها عن علّتها متوقّفا على حدوث شرط مخصوص، و ما ذاك [١٢] إلّا حدوث المزاج القابل لتلك النّفس [١٣]. و إذا كان كذلك، كان حدوث المزاج علّة لفيضان نفس ناطقة عن العقل الفعّال. فلو حدث مزاج، و تعلّقت به [١٤] نفس على سبيل [١٥] التّناسخ، وجب أن يحدث هناك نفس أخرى من الجوهر المفارق. فحينئذ يجتمع على ذلك البدن [١٦] نفسان [١٧]؛ و أنّه محال. فظهر أنّ القول بالتّناسخ يفضى إلى المحال، فيكون محالا.
الثّانى؛ هو أنّ النفس لو صحّ التّناسخ عليها لكان لا يخلو إمّا أن يقال: إنّها كما انقطعت عن بدن يجب تعلّقها ببدن آخر، أو [١٨] تبقى فيما بين البدنين خالية عن التّعلّق. و الأوّل يلزمه محالان: أحدهما؛ أنّه مهما [١٩] فسد بدن، يجب أن يحدث بدن آخر. و الثّانى؛ أنّه مهما فارقت النّفوس الكثيرة، يجب أن توجد [٢٠] أبدان كثيرة [٢١] على عدد النّفوس، و إلّا لتعلّق بالبدن الواحد أكثر من نفس واحدة [٢٢]، لأنّا
[١] - النّفوس: النّفس س.
[٢] - كثيرا: الكثير م.
[٣] - بعد موت البدن: بعد الموت مص.:- ط، م.
[٤] - لاتّفاقهم: لا ينافهم م.
[٥] - أنّه لا معطّل: أنّها لا تعطّل ط.
[٦] - ثمّ:+ إنّ مج.:- ط.
[٧] - آلات: الآلات مج.
[٨] - يميل: لا يميل ط.
[٩] - بإبطال: ببيان إبطال مج، مص.
[١٠] - الموجدة: الموجبة ط.
[١١] - أزلىّ: أوّلى مج.
[١٢] - ما ذاك: أمّا ذلك ط.
[١٣] - لتلك النّفس: للنّفس ط، م.
[١٤] - به:- م.
[١٥] - سبيل: سبب م.
[١٦] - ذلك البدن: البدن الواحد س.
[١٧] - نفسان: نقشان م.
[١٨] - أو: و ط.
[١٩] - مهما: متى مص.
[٢٠] - يجب أن توجد: وجب أن يحدث س.
[٢١] - كثيرة:- ط، م، مص.
[٢٢] - نفس واحدة: النّفس الواحدة س.