شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٠٠ - الفصل السادس و الثّلاثون فى بيان حجّة على امتناع كون شىء من الأجسام علّة لجسم آخر
الإمكان لكان قد صدر عنه تعالى معلولان، و ذلك [١] يهدم قاعدة هذا الباب. و الثّانى أيضا باطل؛ لأنّ علّة الشّىء الموجود [٢] متقدّمة بالوجود على المعلول عندهم. فلو كان العقل الأوّل [٣] علّة لإمكان نفسه لزم أن يكون وجوده سابقا على إمكانه [٤]. و ذلك محال لأنّ وجوده من غيره، و إمكانه من ذاته، و ما [٥] بالذّات أقدم ممّا بالغير. و الثّالث أيضا باطل؛ لأنّ ما عدا البارى تعالى و العقل معلول العقل [٦] الأوّل. فيلزم أن يكون معلول العقل الأوّل علّة لإمكانه، فيلزم أن يكون إمكانه متأخّرا [٧] عن وجوده [٨] بمراتب؛ و هو محال. فثبت أنّ الإمكان لا يمكن أن يكون أمرا وجوديّا.
و أمّا بيان الكبرى فهو: أنّ العدم الصّرف يستحيل أن يكون علّة للموجود أو جزءا منها؛ إذ لو جاز ذلك لجاز استناد [٩] جميع الممكنات إلى العدم الصرّف، و هو يسدّ [١٠] باب إثبات واجب الوجود. فهذا برهان باهر [١١] قاهر على أنّ الإمكان لا يجوز أن يكون علّة لوجود الفلك. و أىّ عاقل يجوز أن يقول: المقتضى لوجود هذه الأجسام العظيمة مجرّد وصف عدمىّ لا ثبوت له أصلا.
و العجب أنّ هؤلاء اتّفقوا على أنّه [١٢] لا يجوز أن يكون جسم علّة لجسم آخر. و علّلوا ذلك بأنّ الجسم مركّب من [١٣] الهيولى و الصّورة، و الصّورة [١٤] لا تفعل إلّا بمشاركة الهيولى، و الهيولى ذاتها قابلة [١٥]، و لا معنى للقبول إلّا الإمكان. فلأجل ما بين الجسم و بين الإمكان من هذا التّعلّق البعيد أخرجوا الجسم عن أن يكون له صلاحيّة العلّيّة [١٦] و التّأثير، ثمّ جاؤوا [١٧] و جعلوا نفس الإمكان علّة. ما هذا إلّا من التّعسّف الشّديد.
الحجّة الثّانية: أنّ الأدلّة الدّالّة على أنّ الوجود في الموجودات أمر [١٨] واحد، و أنّ الجسميّة في الأجسام أمر واحد [١٩]، فهى أيضا دالّة على أنّ الإمكان في الممكنات أمر [٢٠] واحد. و قد تقرّر في بداية [٢١] العقول أنّ حكم الشّىء حكم مثله. فلو صلح [٢٢] إمكان [٢٣] لأن يكون علّة لشىء لصلح كلّ إمكان لأن [٢٤]
[١] - ذلك: هذا م.
[٢] - الموجود:+ أيضا ط.
[٣] - الأوّل:- س.
[٤] - إمكانه: إمكان نفسه س.
[٥] - ما:+ كان مج.
[٦] - العقل: للعقل مج.
[٧] - معلول العقل ... متأخّرا: على الهامش م.
[٨] - وجوده: نفسه س.
[٩] - استناد: إسناد م، مص.
[١٠] - يسدّ: سدّ م، مص.
[١١] - باهر: ظاهر س:- مص.
[١٢] - أنّه: أنّ مص.
[١٣] - من: عن مج.
[١٤] - الصّورة:- ط.
[١٥] - قابلة: قابل ط، م.: أنّها قابل مج.: قابلا مص.
[١٦] - العلّيّة: العلّة مص.
[١٧] - جاؤوا: جاوزوا مج.
[١٨] - أمر:- س.
[١٩] - أمر واحد: واحدة مص.
[٢٠] - أمر:- ط، م.
[٢١] - بداية: بداهة مج.
[٢٢] - صلح: صحّ م.
[٢٣] - إمكان: الإمكان ط.:+ العقل الأوّل ط، مص.
[٢٤] - لأن: لا م.