شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٣٧ - الفصل الثّامن فى بيان أقسام الإدراك الحسّى و الخيالى و العقلى؛ و ترتيبها في التّجرّد و أحكامها
المذكورة الّتى تعلّق بها الحسّ، فهو يتمثّل صورته مع غيبوبة حاملها. و أمّا العقل فيقتدر على تجريد الماهيّة المكنوفة باللّواحق الغريبة المشخّصة، مستثبتا [١] أيّاها حتّى كأنّه عمل بالمحسوس عملا جعله معقولا.
و أمّا [٢] ما هو في ذاته برىء عن الشّوائب المادّيّة و اللّواحق الغريبة الّتى لا تلزم ماهيّته عن ماهيّته، فهو معقول لذاته ليس يحتاج إلى عمل يعمل به يعدّه [٣] لأن يعقله ما من شأنه أن يعقله، بل لعلّة فى جانب ما من شأنه أن يعقله.
التّفسير: لمّا تكلّم في أصل الإدراك شرع بعده في بيان أصناف الإدراكات. و بيان ذلك: أنّ الشّخص المعيّن إمّا أن يدرك بحيث يمنع نفس إدراكه من أن يكون مقولا [٤] على كثيرين، أو يدرك [٥] بحيث لا يمنع نفس إدراكه [٦] من ذلك. و الأوّل لا يخلو إمّا أن يتوقّف حصول ذلك الإدراك على وجود ذلك المدرك في الخارج، أو لا يتوقّف فهذه أقسام ثلاثة:
أوّلها، الإدراك الّذى يجتمع فيه الأمران [٧]، و هو أن يكون مانعا من الشّركة، و يكون متوقّفا على وجود المدرك في الخارج، و هذا هو إدراك الحسّ. فإنّى إذا أبصرت زيدا، فالمبصر [٨] يمتنع [٩] لذاته من أن يكون مشتركا فيه بين كثيرين، و هذا الإبصار لا يحصل إلّا عند حصول المدرك فى الخارج.
و ثانيها، أن يحصل فيه أحد الوصفين [١٠] دون الثّانى، فيكون مانعا من الشّركة، و لكنّه لا يتوقّف على [١١] الوجود الخارجى، و هو التّخيّل. فإنّى إذا شاهدت زيدا، ثمّ غاب عنّى، فإنّى أتخيّله على ما هو عليه من الشّخصيّة. فنفس [١٢] ما تخيّلته يمنع من الشّركة و لكن [١٣] هذا الإدراك [١٤] لا يتوقّف على وجود المدرك في الخارج، فإنّه يمكننى أن أتخيّله بعد عدمه.
و ثالثها، أن يخلو عن الوصفين [١٥] جميعا، فلا يكون مانعا من الشّركة و لا موقوفا على وجود
[١] - مستثبتا: مثبتا م.
[٢] - و أمّا: فأمّا م.
[٣] - يعدّه: بعده مص.
[٤] - مقولا: معقولا مص.
[٥] - يدرك: يدركه ط، م.
[٦] - من أن يكون مقولا ... نفس إدراكه:- مج و بدله في الهامش بخطّ جديد هكذا: من الشّركة أو بحيث لا يمنع.
[٧] - الأمران: أمران ط.
[٨] - فالمبصر: فالمدرك س.
[٩] - يمتنع: يمنع م، مص.
[١٠] - الوصفين: الوضعين مص.
[١١] - على: فى مج.
[١٢] - فنفس: فعين مج.
[١٣] - و لكن: و أمّا ط.
[١٤] - الإدراك:+ فإنّه ط.
[١٥] - الوصفين: الوضعين مص.