شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٣٩ - الفصل الثّامن فى بيان أقسام الإدراك الحسّى و الخيالى و العقلى؛ و ترتيبها في التّجرّد و أحكامها
الأوّل [١]، أنّ الصّورة [٢] الّتى تحصل في العقل لا بدّ و أن تكون صورة جزئيّة حالّة في نفس جزئيّة حلول العرض في الموضوع [٣]، فتشخّص تلك الصّورة و عرضيّتها و حلولها في تلك النّفس و مقارنتها لسائر الصّفات القائمة بالنّفس عوارض غريبة عن [٤] ماهيّة الإنسان، بدليل أنّ الأشخاص الإنسانيّة الموجودة في الخارج غير موصوفة بشىء [٥] من هذه الصفات. و لو كانت هذه الصّفات داخلة فى ماهيّة الإنسان لا ستحال الانفكاك عنها. و إذا كان كذلك، فكيف يمكن أن يقال: إنّ العقل يقدر على أن ينتزع [٦] من المحسوسات صورة مجرّدة عن جميع العوارض [٧] و العلائق، مع أنّا بيّنّا أنّ تلك الصّورة موصوفة لا محالة بهذه العوارض.
الثّانى؛ و هو أنّ مدرك العقل [٨] إنّما هو [٩] القدر المشترك بين [١٠] الأشخاص الإنسانيّة، و هذه الصّورة الموجودة في العقل غير مشترك فيها بين الأشخاص، لأنّها [١١] ليست جزءا منها [١٢]. فإنّه كيف يجوز أن يقال: العلم القائم [١٣] بنفس زيد جزء من ماهيّة جميع أشخاص النّاس، مع أنّهم كانوا موجودين قبل وجود هذه الصّورة، و سيكونون موجودين بعد عدمها؟
فثبت أنّ الصّورة الموجودة في العقل يستحيل أن تكون مجرّدة عن جميع اللّواحق الغريبة، و أن تكون كلّيّة مشتركا فيها. بل التّحقيق أنّ الأشخاص الإنسانيّة مشتركة في الإنسانيّة، و متباينة [١٤] فى سائر الاعتبارات من الشّكل و الوضع و المقدار. و ما به الاشتراك مغاير لا محالة لما [١٥] به الامتياز، فالإنسانيّة مغايرة لا محالة للأشكال و المقادير. ثمّ إنّ الإنسان الطّويل مثلا موجود في الخارج، و هو عبارة عن الإنسان الموصوف بالطّول [١٦]، و متى [١٧] كان المركّب موجودا في الخارج كانت المفردات موجودة أيضا. فإذن الإنسان من حيث هو إنسان موجود [١٨] فى الخارج. و هو [١٩] أيضا في نفسه مجرّد عن اللّواحق، لأنّ [٢٠] ما به الامتياز إذا كان خارجا عن الإنسان الّذى به الاشتراك، كان الإنسان ٢١ من
[١] - الأوّل: أحدهما ط.
[٢] - الصّورة: الصّور مج.
[٣] - الموضوع: الموضع مص.
[٤] - عن: غير مج.
[٥] - غير موصوفة بشىء: غير موجود لها شىء س.
[٦] - ينتزع: ينزع مص.
[٧] - العوارض:+ و اللّواحق مص.
[٨] - و هو أنّ مدرك العقل: مدرك العقلى س.
[٩] - إنّما هو: إمّا مج.
[١٠] - بين: من مج.
[١١] - لأنّها: فإنّها ط.
[١٢] - منها: فيها مص.
[١٣] - القائم:- مص.
[١٤] - متبائنة: مبائنة مج.
[١٥] - مغاير لا محالة لما: عن ما مص.
[١٦] - بالطّول: بالطّويل مص.
[١٧] - متى: لما ط.
[١٨] - موجود:- مص.
[١٩] - هو: هذا مج.
[٢٠] - لأنّ: لكنّ م.