شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٤٠ - الفصل الثّامن فى بيان أقسام الإدراك الحسّى و الخيالى و العقلى؛ و ترتيبها في التّجرّد و أحكامها
حيث أنّه إنسان فقط لا طويلا و لا قصيرا و لا عالما و لا جاهلا، بل هو إنسان فقط.
و إذا عرفت ذلك فالعلم المتعلّق بالإنسان، من حيث هو إنسان، هو العلم الكلّىّ المجرّد؛ لا لأنّ [١] العلم في ذاته كلّىّ أو مجرّد، بل لأنّ المعلوم [٢] به كلّىّ و مجرّد. فلهذا السبب سمّى المتقدّمون مثل هذا العلم كلّيّا و مجرّدا على طريق المجاز تعويلا على فهم المتعلّمين. فلمّا نظر المتأخّرون في كلامهم [٣] و لم يقفوا على غرضهم [٤]، ظنّوا أنّ في العقل صورة مجرّدة و كلّيّة، و ليس الأمر على ما ظنّوه؛ بل التّحقيق ما ذكرناه. و لنرجع إلى شرح المتن.
أمّا قوله: «الشّىء قد يكون محسوسا عند ما يشاهد، ثمّ يكون متخيّلا عند غيبته بتمثّل صورته فى الباطن [٥]، كزيد الّذى أبصرته [٦] مثلا [٧] إذا غاب عنك فتخيّلته» [٨]؛
فاعلم أنّه لما كان أظهر الإدراكات [٩] الإحساس، و يليه التّخيّل، و أخفاها الإدراك العقلى، لا جرم بدأ الشّيخ بذكر الحسّ، و ثنّى بالتّخيّل، و ثلّث بالعقل. و لمّا كان أظهر الإدراكات الحسّيّة الإبصار، لا جرم ذكر في مثال الإدراك الحسّى الإبصار.
و أمّا قوله: «و قد يكون معقولا عند ما يتصوّر من زيد مثلا معنى الإنسان الموجود لغيره [١٠]»؛
فاعلم أنّ ذلك بيان منه لكون المدرك بالإدراك العقلى أمرا مشتركا فيه بين الأشخاص.
و أمّا قوله: «و هو عند ما يكون محسوسا قد غشيته غواش غريبة عن [١١] ماهيّته، لو أزيلت عنه لم تؤثّر في كنه ماهيّته، مثل أين و وضع و كيف و مقدار بعينه، لو [١٢] توهّم بدله غيره [١٣] لم يؤثّر في حقيقة ماهيّة إنسانيّته [١٤]»
؛ فاعلم أنّه لما ذكر أقسام الإدراك [١٥]، شرع في ذكر أحكامها. و بدأ بأحكام [١٦] ما بدأ به [١٧] التّقسيم، و هو الإحساس. فذكر أنّ الشّىء إنّما يكون محسوسا عند ما غشيته الغواش الغريبة عن ماهيّته. ثمّ فسّر الغواشى الغريبة بأنّها الّتى لو أزيلت عن الشّىء لم تؤثّر تلك الإزالة
[١] - لا لأنّ: لأنّ ط، م، مص.
[٢] - المعلوم: العلوم م.: المعلوم به ط.: العلم به مص.
[٣] - كلامهم:+ و لم يفهموا كلامهم ط، م، مج.
[٤] - غرضهم: أغراضهم ط، م، مص.
[٥] - الباطن: النّاظر مج.
[٦] - أبصرته: أبصرناه س.
[٧] - أبصرته مثلا:- م.
[٨] - ثمّ يكون متخيّلا ... فتخيّلته:- ط.
[٩] - الإدراكات:+ و أبلغه ط.
[١٠] - من زيد ... لغيره:- ط.
[١١] - عن: غير مج.
[١٢] - لو: أو م.
[١٣] - لم تؤثّر في كنه ... بدله غيره:- س.
[١٤] - لو أزيلت عنه ... ماهيّة إنسانيّته:- ط.
[١٥] - أقسام الإدراك: الأقسام س، مج.
[١٦] - بأحكام: بأحكامها مج.: من أحكامها س.
[١٧] - به: فى ط.:+ فى م.