شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٣٣ - الفصل الرّابع و العشرون فى إبطال القول بالكمون
لأنّه ليس حلول أحدهما في الآخر أولى من العكس. فثبت انثّانى، و ذلك يقتضى القطع بأنّه ليس علم الشّىء بذاته عبارة عن حصول ذاته [١]، أو حصول صورة مساوية لذاته في ذاته؛ و هو المطلوب.
و أمّا بيان أنّ الإدراكات الخياليّة ليست عبارة عن مجرّد حصول هذه الصّورة [٢] فى الخيال [٣]، لأنّها عندهم حال ما يكون موجودة في الخيال لا يكون مشعورا بها، بل إنّما يحصل الشّعور بها إذا [٤] طالعها الحسّ المشترك. فوجب أن لا يكون إدراك هذه الصّورة [٥] نفس حصولها.
لا يقال: الخيال إنّما لم يدركها لأنّه ليس من القوى المدركة؛ لأنّا نقول: لمّا صدق على الخيال أنّه متمثّل [٦] بهذه [٧] الصّورة، و كذب عليه [٨] كونه مدركا لها، تبيّنّا [٩] أنّ الإدراك ليس نفس التّمثّل [١٠]. و هكذا الكلام في ادراك الوهم بعينه.
و أمّا بيان أنّ الإبصار ليس عبارة عن مجرّد الشّيخ [١١] المنطبع، لأنّ الشّيخ [١٢] نصّ في الشّفاء على أنّ الأشباح تنطبع في [١٣] الجليدتين مع أنّ الإبصار لا يحصل هناك بل [١٤] عند ملتقى العصبتين. و ذلك يدلّ على أنّ الإبصار ليس نفس انطباع تلك الأشباح. و أيضا فالقوّة الباصرة لا تدرك ما في [١٥] آلتها من اللّون و الشّكل و المقدار مع أنّ المقارنة [١٦] حاصلة هناك، فثبت أنّ الإبصار ليس نفس الانطباع.
فقد ثبت [١٧] بهذه الوجوه أنّ الإدراك [١٨] ليس عبارة عن [١٩] نفس الانطباع؛ بل الحقّ أنّه حالة نسبيّة إضافيّة. فإنّا نعلم بالبديهة أنّا إذا أبصرنا زيدا فإنّ لقوّتنا الباصرة نسبة خاصّة إليه، و أنّ الّذى يقال من [٢٠]: أنّ المبصر ليس هو زيد الموجود في الخارج بل هو غير مبصر أصلا [٢١]، و إنّما [٢٢] المبصر مثاله و شبحه؛ فإنّه تشكّك [٢٣] فى أجلى العلوم الضّروريّة و أقواها. و أنّ أمثال هذه الكلمات يجب أن
[١] - ذاته:+ لذاته مج.
[٢] - الصّورة: الصّور ط.
[٣] - الخيال: الحسّ المشترك س، م، مج، ط لكن على هامش ط صحّح على: الخيال.
[٤] - إذا:+ ما م.
[٥] - الصّورة: الصّور س، ط.
[٦] - متمثّل: متخيّل م.
[٧] - متمثّل بهذه: ليس متصوّرا لهذه ط.
[٨] - عليه: عليها ط.
[٩] - تبيّنا: بيّنا مج، مص.: ثبت م.
[١٠] - التّمثّل: المتمثّل م.
[١١] - الشّبح:- ط.
[١٢] - لأنّ الشّيخ: لأنّه ط.
[١٣] - فى:- ط.
[١٤] - بل: إلّا ط.
[١٥] - فى:- ط.
[١٦] - المقارنة: المقادير س.
[١٧] - فقد ثبت: فثبت مص.
[١٨] - الادراك: الابصار ط.
[١٩] - عبارة عن:- س، مج.
[٢٠] - من:- ط.
[٢١] - غير مبصر أصلا: غير زيد ط.
[٢٢] - و إنّما: بل م.:- ط.
[٢٣] - تشكّك: تشكيك مج، مص.
شرح الإشارات و التنبيهات (الفخر الرازي )، ج٢، ص: ٢٣٤
لا يخطر ببال الإنسان السليم العقل فضلا عن أن يجعل [١] مواضعا للبحث [٢] و التّدقيق. و هذا [٣] نهاية [٤] الكلام في الإدراك و الشّعور. و لنرجع الآن [٥] إلى شرح المتن.
أمّا قوله: «إدراك الشّىء هو أن تكون حقيقته [٦] متمثّلة [٧] عند المدرك يشاهدها ما به يدرك [٨]»؛
فاعلم أنّ البحث فيه من وجهين:
الأوّل؛ أنّ قوله: «إدراك الشّىء هو أن تكون حقيقته متمثّلة [٩] عند المدرك [١٠] و [١١]»؛
مشعر بأنّ الإدراك أمر وراء نفس حصول [١٢] الصّورة؛ لأنّه اعتبر في الإدراك الحضور [١٣] عند المدرك. فإنّ [١٤] لم يكن الإدراك إلّا [١٥] نفس الحضور [١٦]، لم يكن المدرك إلّا الّذى حضر عنده شىء؛ فيصير معنى قوله: «حقيقته متمثّلة [١٧] عند المدرك»؛ أنّ [١٨] حقيقته حاضرة عند الشّىء الّذى هى حاضرة [١٩] عنده، و معلوم أنّ ذلك خطأ. و كذلك قوله: «يشاهدها ما به [٢٠] يدرك»؛ أضاف [٢١] المشاهدة إلى تلك الحقيقة المتمثّلة، و ذلك يقتضى كون المشاهدة مغايرة لتلك الصّورة المتمثّلة [٢٢]. فظهر أنّ اللّفظ ههنا مشعر بكون الإدراك أمرا مغايرا للتّمثّل [٢٣] و الحضور، و لكن كلامه في أكثر المواضع يقتضى كون الإدراك نفس التّمثّل [٢٤].
الثّانى؛ أنّ قوله: «حقيقته [٢٥] متمثّلة عند المدرك [٢٦]»؛ تستدعى بحثا عن التّمثّل [٢٧]. فإنّه إن [٢٨] عنى به أنّه يحصل مثل المعلوم في العالم حتّى [٢٩] أنّ من عقل [٣٠] البحر و الجبل حصل فيه ما يماثل
[١] - يجعل: يجعلها مص.
[٢] - مواضعا للبحث: مواضع البحث م، ط، مص.
[٣] - هذا: هو م.
[٤] - نهاية: تمام ط، م، مص.
[٥] - الآن:- س.
[٦] - حقيقته: حقيقة م، مص.
[٧] - متمثّلة: ممثّلة مج.
[٨] - ما به يدرك: بما به يدرك م، ط، مص.: بأنّه مدرك مج.
[٩] - متمثّلة: ممثّلة مج.
[١٠] - المدرك:+ يشاهدها مج.
[١١] - يشاهدها ... عند المدرك: على الهامش م.
[١٢] - نفس حصول: حصول نفس ط: حصول مص.
[١٣] - الحضور: الحصول س، مج.
[١٤] - فإنّ: فإذا ط.
[١٥] - إلّا: ط.
[١٦] - الحضور: الحصول ط، س، مج.
[١٧] - حقيقته متمثّلة: حقيقة متمثّلة ط.: حقيقة ممثّلة مج.
[١٨] - أنّ: أى مج.: لأنّ م.
[١٩] - هى حاضرة: هو حاضر ط.
[٢٠] - ما به: بما به مص.: بأنّه مج.
[٢١] - أضاف: إضافته ط: أصناف مج.
[٢٢] - المتمثّلة: المتخيّلة م.
[٢٣] - للتّمثّل: للتّمثيل ط، م.
[٢٤] - التّمثّل: المتمثّل س.
[٢٥] - حقيقته: حقيقة ط.
[٢٦] - عند المدرك:- ط.
[٢٧] - التّمثّل: التّمثيل م.: المتمثّل س.
[٢٨] - فإنّه إن: فإن س، مج.
[٢٩] - حتّى:+ إن فسّر مص.
[٣٠] - عقل: علم ط، م، مص.