شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٨٩ - الفصل الحادى و العشرون أنّ الصّورة الجرميّة و ما يصحبها من الصّور النّوعيّة، سواء كانت ممكنة الزّوال كما في العناصر أو ممتنعة الزّوال كما في الأفلاك، ليس شىء منها سببا لقوام الهيولى مطلقا
و أمّا الّذى تمسّكوا به من أنّ الجسميّة لمّا لم تكن علّة للتّناهى [١] و التّشكّل، لم تكن متقدّمة عليهما؛ و ما لا يكون متقدّما على الشّىء فهو إمّا مع الشّىء أو بعده؛ فالغلط في قولهم: لمّا لم تكن الجسميّة علّة لهما لم تكن متقدّمة عليهما. فإنّ ما [٢] لا يكون علّة للشّىء [٣] لا يكون متقدّما عليه تقدّما بالعلّيّة، و التّقدّم بالعلّيّة أخصّ من التّقدّم المطلق، و لا يلزم من نفى الخاصّ نفى العامّ. فلعلّ الجسميّة و إن لم تكن متقدّمة عليهما بالعلّيّة [٤]، لكنّها تكون متقدّمة عليهما بالطّبع، كتقدّم الواحد على الاثنين، أو كتقدّم أجزاء الماهيّة المركّبة على خواصّ تلك الماهيّة و عوارضها اللّازمة و الزّائلة، و إن لم يكن شىء من تلك الأجزاء علّة لشىء من تلك العوارض. فهذا ما عندى في هذه المقدّمة.
و رابعتها؛ أنّ التّناهّى و التشكّل من توابع المادّة، و تقريره ما مرّ [٥] قبل ذلك [٦].
و إذا عرفت هذه المقدّمات فنقول: الهيولى متقدّمة على التّناهى و التّشكّل، و هما إمّا أن يكونا متقدّمين على الجسميّة أو موجودين مع الجسميّة. فالهيولى إمّا أن تكون متقدّمة على ما يكون متقدّما على الصّورة، أو يكون متقدّمة على ما تكون مع الصّورة. و على التّقديرين يلزم أن تكون الهيولى متقدّمة على الصّورة، فلو كانت الصّورة علّة مطلقة أو [٧] واسطة مطلقة في وجود الهيولى لزم تقدّمها على الهيولى مع أنّها كانت متأخّرة عنها؛ و هذا محال. فثبت أنّ الصّورة ليست علّة مطلقة و لا واسطة مطلقة.
و لقائل أن يقول: عندكم إنّ الصّورة شريكة لشىء آخر باجتماعهما تتقوّم الهيولى، و جزء علّة الشّىء متقدّم على الشّىء لا محالة، فلو كان للهيولى تقدّم [٨] بوجه ما عليها لزم الدّور؛ و هو محال. و الحاصل أنّ الّذى به أبطلوا [٩] كون الصّورة علّة مطلقة، قائم بعينه في كونها شريكة لشىء آخر باجتماعهما [١٠] تتقوّم الهيولى. فإن بطل أحدهما بطل الآخر ضرورة. و لنرجع إلى تفسير [١١] المتن.
أمّا قوله: «يجب أن تعلم [١٢] أنّ الصّورة الجرميّة و ما يصحبها ليس شىء منها سببا لقوام الهيولى
[١] - علّة للتناهى: علّية التناهى مص.
[٢] - فإنّ ما: فإمّا أن مص.
[٣] - علّة للشىء: علّة الشّىء مج، مص.
[٤] - و التقدّم بالعلّية أخص ... عليهما بالعلية:- م.
[٥] - ما مرّ: كما مرّ مج.
[٦] - ذلك:- مص.
[٧] - أو: و مص.
[٨] - فلو كان للهيولى تقدّم: فلو كان الهيولى يتقدّم مج.: فلو كانت الهيولى تقدّم مص.
[٩] - به أبطلوا: قد أبطلوا به مص.
[١٠] - باجتماعهما: باجتماعها مص.
[١١] - تفسير: شرح مج.
[ (١٢) - يجب أن تعلم:+ فى الجملة: متن الإشارات.]