شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٧٣ - الفصل التّاسع فى إثبات اللّذّة العقليّة و أنّها أشرف و أقوى من اللّذّات الحسّيّة
[الفصل الثّامن [فى أنّ البرهان ربّما دلّ على وجود لذّة و ألم، لكن لا تحصل الرّغبة لعدم الذّوق و الوجدان]]
تنبيه: إنّه قد يصحّ إثبات لذّة ما يقينا [١]، و لكن إذا لم يقع المعنى الّذى يسمّى ذوقا جاز أن لا نجد إليها شوقا. و كذلك قد يصحّ ثبوت أذى ما يقينا [٢]، و لكن إذا لم يقع المعنى الّذى يسمّى [٣] بالمقاساة كان في الجواز أن لا يقع عنها بالغ الاحتراز [٤]. مثال الأوّل حال العنّين خلقة عند لذّة الجماع. مثال الثّانى حال [٥] من لم يقاس وصب الأسقام عند الحمية.
التّفسير: البرهان ربّما [٦] دلّ على وجود لذّة و ألم، و يكون الجزم حاصلا بذلك، لكن [٧] لا تحصل الرّغبة و الرّهبة لعدم الذّوق و الوجدان. فإنّ العنّين يعلم على سبيل السماع أنّ في الجماع لذّة، و لكن لا يميل إليها. و صاحب الحمية إذا لم يجرّب الآفات [٨] المتولّدة من طول الأسقام ربّما لم يحترز من المتناولات [٩] الرّديئة. فكذلك ههنا لا يلزم من عدم الرّغبة في اللذّات العقليّة و عدم الرّهبة عن الآلام العقليّة القدح في وجودها [١٠].
[الفصل التّاسع [فى إثبات اللّذّة العقليّة و أنّها أشرف و أقوى من اللّذّات الحسّيّة]]
تنبيه: كلّ مستلذّ به فهو سبب [١١] كمال يحصل للمدرك [١٢] هو بالقياس إليه خير. ثمّ لا يشكّ فى أنّ الكمالات و إدراكاتها متفاوته. فكمال الشّهوة مثلا أن يتكيّف العضو الذّائق بكيفيّة الحلاوة مأخوذة عن مادّتها. و لو وقع مثل ذلك لا عن سبب [١٣] خارج كانت اللذّة قائمة. و كذلك الملموس و المشموم و نحوهما. و كمال القوّة الغضبيّة أن تتكيّف النّفس بكيفيّة غلبة أو كيفيّة شعور بأذى يحصل فى المغضوب عليه. و للوهم [١٤] التّكيّف بهيئة ما يرجوه أو ما يذكره [١٥]. و على هذا حال سائر القوى. و كمال الجوهر العاقل أن تتمثّل فيه جليّة الحقّ الأوّل قدر ما يمكنه أن ينال منه [١٦] ببهائه الّذى يخصّه.
ثمّ تتمثّل فيه الوجود كلّه على ما هو عليه، مجرّدا عن الشّوب، مبتدءا فيه بعد الحقّ الأوّل بالجواهر
[١] - يقينا: نفينا م.
[٢] - يقينا: نفينا م.
[٣] - الّذى يسمّى: المسمّى س.
[٤] - الاحتراز: الاحتراق ط.
[٥] - حال:- س.
[٦] - ربّما: إنّما مج، مص.
[٧] - لكن:- ط.
[٨] - لم يجرّب الآفات: لم يقاس الآلام س.
[٩] - المتناولات: المناولات مص.
[١٠] - وجودها: وجودهما مص.
[١١] - سبب:- س.
[١٢] - للمدرك:+ و م.
[١٣] - سبب:+ من م.
[١٤] - للوهم: كمال الوهم س، م.
[١٥] - يذكره: يدركه م.
[١٦] - منه:+ به م.