شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٧٠ - الفصل العاشر فى تعديد قوى النفس الإنسانيّة
المفروغ عنه [١] كالمشاهد [٢] متى شاءت من غير افتقار إلى اكتساب، و هو المصباح، و هذه القوّة تسمّى عقلا بالفعل.
و إنّما قدّم العقل المستفاد على العقل بالفعل لأنّ العقل بالفعل [٣] لمّا كان عبارة عن كون الإنسان بحيث [٤] يقدر [٥] على استحضار العلوم النّظريّة [٦] متى شاء من غير اكتساب، كان ذلك من باب الملكة، و الملكة لا تحصل إلّا بعد الفعل. فإنّ ملكة الكتابة لا تحصل إلّا بعد فعل الكتابة. و أمّا العقل المستفاد فهو عبارة عن الفعل، و لمّا كان الفعل مقدّما [٧] على الملكة، لا جرم قدّم العقل المستفاد على العقل بالفعل. و جعل العقل بالفعل آخر مراتب القوّة [٨] النّظريّة.
و أمّا قوله: «و الّذى يخرج من الملكة إلى الفعل [٩]، و من الهيولانى [١٠] إلى الملكة، هو العقل الفعّال و هو النّار»
؛ فاعلم أنّه كلام خارج عن مقصود الفصل؛ لأنّ المقصود من هذا الفصل ذكر قوى النّفس الإنسانيّة، و العقل الفعّال ليس من القوى الإنسانيّة. لكنّه [١١] ذكره لغرضين: [١٢] أحدهما؛ أنّ العقل الفعّال هو العلّة لوجود النّفس الإنسانيّة و لخروجها [١٣] عن الهيولانيّة إلى الملكة و من الملكة، إلى الفعل [١٤] التّامّ، فلأجل [١٥] هذا التّعلّق أورده ههنا. الثّانى؛ أنّه لمّا جعل هذه المراتب من النّفس تفسيرا لقوله تبارك و تعالى: «مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ»؛ احتاج إلى ذكر العقل الفعّال ليتبيّن أنّه هو المراد بالنّار في قوله تعالى: «وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ» [١٦].
فهذا تفسير هذا الفصل. و قد بقى فيه بحث واحد و هو أنّه إن عنى بالقوّة العمليّة استعداد النّفس لتدبير البدن، و بالقوّة النّظريّة استعدادها لقبول العلوم، و بالعقل الهيولانى مجرّد [١٧] هذا [١٨] الاستعداد عند عدم المستعدّ له، و بالعقل بالملكة حصول العلوم الأوّليّة، فالكلام [١٩] صحيح و تكون
[١] - المفروغ عنه: للمفروغ عنه م.: المفروع مص.
[٢] - المكتسب ... كالمشاهد:- س.
[٣] - لأنّ العقل بالفعل: على الهامش س، ط.
[٤] - بحيث: حيث مص.
[٥] - يقدر: يقتدر م.
[٦] - النّظرية: الشّرطيّة ط.
[٧] - مقدّما: متقدّما ط.
[٨] - مراتب القوّة: المراتب مص.
[٩] - الفعل:+ التّامّ: على هامش ط.
[١٠] - الهيولانى:+ أيضا مص.
[١١] - لكنّه: و لكنّه م.:+ ربّما ط.
[١٢] - لغرضين: بفرضين ط.
[١٣] - لخروجها: تخرجها ط.
[١٤] - الفعل: العقل مج، مص.
[١٥] - فلأجل: و لأجل س.
[١٦] - نار:+ قال س، مج. [الآية: سورة ٢٤ (النّور)؛ آية ٣٥].
[١٧] - مجرّد:- س، مص.
[١٨] - هذا: هو مص.
[١٩] - فالكلام:+ فيه م.