شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦٠٠ - الفصل الخامس فى بيان أنّ غرض العارف هو الحقّ الأوّل
فى هذه الحالة مع أنّ هذا [١] الشّعور يوجب الحبّ. فظهر بما قرّرنا أنّ حبّ اللّه تعالى قد ينفكّ عن حبّ [٢] كلّ ما عداه.
و أمّا الّذى احتجّ به [٣] المنكرون من أنّ الإرادة لا تتعلّق إلّا بالممكن و إلّا بالحصّة [٤] العائدة إلى النّفس، فذلك هو المصادرة على المطلوب الأوّل. فإنّ عندنا العارف قد يريد اللّه تعالى لا لشىء سواه [٥]، فالقول بأنّه لا يريد إلّا الممكن ادّعاء لعين [٦] المطلوب، و أنّه باطل. فهذا تلخيص الكلام في قوله: «العارف يريد الحقّ الأوّل لا لشىء غيره [٧]».
و أمّا قوله: «و لا يؤثر شيئا على عرفانه»
؛ فاعلم أنّه يحتمل وجهين. فإنّا إن [٨] قلنا: الحقّ الأوّل يستحيل [٩] أن يكون مرادا لذاته؛ كان هذا الكلام تأويلا لما قبله. أى معنى ما قلنا: إنّ العارف يريد الحقّ الأوّل؛ هو أنّه يريد معرفته. و إن قلنا: بصحّة ذلك، كانت هذه القضيّة بيانا لقوم آخرين و يصير كأنّه قال: العارفون منهم من [١٠] يريد [١١] اللّه تعالى للّه [١٢] فقط، و هم الّذين وصلوا إلى الكمال الأقصى.
ثمّ يليهم قوم آخرون و هم الذين يطلبون معرفة اللّه [١٣] تعالى، و لا يؤثرون شيئا على تلك المعرفة.
و أمّا قوله: «و تعبّده [١٤] له فقط، و لأنّه [١٥] مستحقّ للعبادة، و لأنّها نسبة شريفة إليه [١٦]»
؛ فاعلم أنّه لمّا تكلّم في إرادة العارفين، تكلّم في تعبّدهم. و اعلم أنّهم في ذلك على ثلاث طبقات: الطّبقة [١٧] الأولى في الكمال و الشّرف الّذين يعبدونه لذاته لا لشىء آخر. و الطّبقة الثّانية؛ و هى الّتى تلى الأولى فى الكمال، الّذين يعبدونه لصفة من صفاته و هى كونه تعالى مستحقّا للعبادة. و الطّبقة الثّالثة؛ و هى آخر درجات المحقّقين، الّذين يعبدونه لتستكمل نفوسهم بالانتساب إلى عبادته.
و إنّما تأخّرت هذه الطّبقة عمّا قبلها، لأنّ المطلوب لهؤلاء انتسابهم [١٨] إليه، و ذلك الانتساب [١٩] صفتهم. فالمطلوب الأوّل لهم [٢٠] صفة من صفاتهم، و أمّا الأوّلان فمطلوب أحدهما [٢١] ذاته تعالى، و مطلوب الآخر صفة من صفاته. و شتّان ما بين الدّرجتين. و لقد روى في الأخبار أنّه عليه السلام
[١] - هذا:- س.
[٢] - حبّ:- مص.
[٣] - به:- س.
[٤] - بالحصّة: بالحقيقة مج.
[٥] - سواه: شىء مج.
[٦] - لعين: لنفس ط، م.
[٧] - غيره: سواه مج.
[٨] - إن: إذا مج.
[٩] - يستحيل: ليستحيل مص.
[١٠] - منهم من:- مص.
[١١] - يريد: يريدون مص.
[١٢] - للّه:- س، م.
[١٣] - معرفة اللّه: معرفته ط، م، مج.
[١٤] - و تعبّده: فيعبده س.
[١٥] - لأنّه: أنّه س.
[١٦] - إليه:- ط، م.
[١٧] - الطّبقة: فالطّبقة مج، مص.
[١٨] - لهؤلاء انتسابهم: لها و لا نتسابهم م.
[١٩] - الانتساب: لانتساب مص.
[٢٠] - لهم:- ط.
[٢١] - أحدهما: أحدهم مص.