شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٦١ - الفصل السابع عشر فى بيان المقدّمة الثّانية المحتاج إليها في تقرير برهان التّوحيد
فالوجود في حقّنا عرض مفتقر إلى الماهيّة محتاج إليها، فكيف يعقل انقلاب مثل هذا الوجود في حق اللّه تعالى جوهرا قائما بالنّفس، بحيث يكون أقوى الموجودات [١] و أشدّها قياما بالنّفس؟
و أمّا الحجّة الّتى عوّل الشّيخ عليها في بيان أنّه لا يجوز أن يكون وجود اللّه تعالى زائدا على ماهيّته، فجميع مقدّماتها مسلّمة إلّا قوله: لو كانت الماهيّة علّة لوجود نفسها لكانت متقدّمة بالوجود [٢] على نفسها، فإنّ العلّة [٣] متقدّمة بالوجود على المعلول. فإنّا نمنع هذا التقدّم، و بيانه من وجوه:
الأوّل: إنّا سنبيّن- إن شاء اللّه تعالى في النّمط الخامس من هذا الكتاب- أنّ تقدّم العلّة على المعلول بالذات إن أريد به كونها مؤثّرة فيه؛ فهذا معلوم مسلّم. و لكن قول القائل: العلّة المتقدّمة على المعلول بالوجود؛ يرجع حاصله إلى أنّ العلّة لا تؤثّر في المعلول إلّا بعد وجودها، و هذا هو المصادرة على المطلوب الأوّل. فإنّا ندّعى أنّ المؤثّر في وجود اللّه تعالى هو نفس ماهيّته فقط لا باعتبار وجود آخر سابق، فيكون كلامكم إعادة لمحلّ النّزاع بعبارة أخرى، و ذلك ممّا لا فائدة فيه. و إن أريد بالتقدّم أمر وراء المؤثّريّة فذلك غير متصوّر [٤]، فضلا عن أن يكون مصدّقا به.
الثّانى؛ أنّا نزلنا [٥] عن [٦] هذا المقام لكنّا [٧] نقول: لم قلتم إنّ كلّ علّة فهى متقدّمة بالوجود على المعلول؟ ألا ترى أنّ ماهيّات الممكنات قابلة لوجوداتها [٨]، فماهيّاتها علل قابلة [٩] لوجوداتها. ففى هذا الموضع العلّة القابليّة [١٠] لا يجب تقدّمها على المعلول بالوجود. و إذا كان كذلك، فلم لا يجوز مثله في العلّة الفاعليّة؟ و أيضا فالشّيخ ذكر في أوّل هذا [١١] الفصل من هذا الكتاب: «أنّه قد يجوز أن تكون ماهيّة الشّىء سببا لصفة من صفاته». فنقول: الماهيّة إذا كانت مؤثّرة في صفة من [١٢] صفات نفسها، كانت علّة لتلك الصّفة. و لا يجوز أن يكون تقدّمها [١٣] على تلك الصّفة بالوجود، و إلّا لم تكن [١٤] العلّة نفس الماهيّة فقط بل الماهيّة الموجودة، لكنّه سلّم [١٥] أنّ العلّة هى نفس الماهيّة. فثبت أنّ تقدّم المؤثّر على
[١] - الموجودات: الوجودات مج.
[٢] - بالوجود: ثابتة على الهامش س.
[٣] - فإنّ العلّة: فالعلّة ط.
[٤] - متصوّر: مشعور م.
[٥] - أنّا نزلنا: إن نزلنا س.
[٦] - عن: من س، م، مص.
[٧] - لكنّا: لكن س.
[٨] - لوجوداتها: لوجود ذاتها ط، م.
[٩] - قابلة: قابلية ط، م.
[١٠] - القابليّة: القابلة س.
[١١] - هذا:- س.
[١٢] - صفة من: ثابتة على الهامش س.
[١٣] - تقدّمها: تقديمها م.
[١٤] - لم تكن:+ تلك م، ط.
[١٥] - سلّم: مسلّم مص.