شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٠٠ - الفصل التّاسع عشر فى بيان أنّ كلّ مجرّد فإنّه يمكن أن يكون عاقلا لذاته
العاقل [١]، أو لا يتوقّف. و الأوّل محال، لأنّ حصولها في ذلك الجوهر عبارة عن مقارنتها [٢]. فلو توقّفت صحّة مقارنتها لغيرها على حلولها في ذلك الجوهر، مع أنّ ذلك الحلول هو نفس المقارنة، لكانت صحّة المقارنة موقوفة على وجود المقارنة؛ و هو محال؛ لأنّ وجود الشّىء متأخّر عن صحّة وجوده، لا أنّ [٣] صحّة وجوده [٤] متأخّرة عن وجوده. فثبت أنّ صحّة مقارنة غير تلك الماهيّة المجرّدة لتلك [٥] لا يتوقّف على انطباع تلك الماهيّة المجرّدة في ذلك الجوهر العاقل. فإذن تلك الماهيّة المجرّدة سواء وجدت في العقل أو في الخارج فإنّه يصحّ أن يقارنها غيرها، و لا معنى للتّعقّل [٦] إلّا مقارنة ماهيّة مجرّدة لماهيّة مجرّدة. فإذا [٧] ثبت أنّ كلّ ماهيّة مجرّدة موجودة في الخارج فإنّه يمكن أن يقارنها سائر الماهيّات المجرّدة [٨]، ثبت أنّ كلّ مجرّد فإنّه يمكن أن يعقل غيره. فهذا تمام هذه [٩] الحجّة.
و لقائل أن يقول: أمّا قولكم: أنّ كلّ من يعقل من نفسه أنّه يعقل غيره فإنّه يجب أن يعقل نفسه؛ فهذا و إن كان صحيحا مقطوعا به [١٠]، لكنّه لا يستمرّ على [١١] أصولكم. لأنّا نحمل الإنسان الكلّى على زيد و عمرو، فإنّه يمكننا أن نحكم بأنّ زيدا إنسان و ليس بفرس مع أنّه ليس [١٢] ههنا شىء [١٣] واحد يكون مدركا للإنسان الكلّى و للإنسان [١٤] الجزئى الشّخصى، لأنّ المدرك للكلّيّات هو النّفس و المدرك للجزئيّات [١٥] هو القوى الجسمانيّة. فههنا لم يكن الحاكم على الشّيئين عالما بهما. و إذا جاز ذلك، فلم لا يجوز أن يحكم الإنسان على نفسه بكونه عالما بالغير، و إن لم يكن عالما بنفسه؟ ثمّ لئن [١٦] تجاوزنا عن هذا المقام فلم قلتم: إنّ كلّ مجرّد [١٧] يمكنه أن يعقل غيره؟
أمّا قوله: إنّ كلّ ماهيّة مجرّدة [١٨] فإنّها يصحّ أن تكون معقولة [١٩]؛ فنقول: ليست هذه المقدّمة من المقدّمات الأوّليّة فلا بدّ من تصحيحها بالبرهان، و هم لم يفعلوا [٢٠] ذلك. و كيف لا نقول [٢١] ذلك؟ و حقيقة البارى تعالى [٢٢] غير معقولة للبشر. و كذلك حقائق المفارقات، و حقائق القوى البسيطة الفعّالة و المنفعلة غير معقولة لنا [٢٣]. بل المعقول لنا من هذه الأمور لوازمها السلبيّة و الإضافيّة [٢٤]. و إذا كان
[١] - العاقل: الفاعل مج.
[٢] - مقارنتها:+ لذلك الجوهر ط، م.
[٣] - لا أنّ: لأنّ م.
[٤] - وجوده: وجود م.
[٥] - لتلك: تلك الماهيّة المجرّد مص.:- م، مج.
[٦] - للتّعقّل: للعقل مص.
[٧] - فإذا: و إذا ط، م.
[٨] - المجرّدة:- مج.
[٩] - هذه:- ط، م.
[١٠] - به: عليه ط.
[١١] - على:- مص.
[١٢] - ليس:- ط.
[١٣] - شىء:- ط، م.
[١٤] - للإنسان: الإنسان م، مج، مص.
[١٥] - للجزئيّات: للحسّيّات ط، م.
[١٦] - لئن: و إن س.: إن ط.
[١٧] - مجرّد:+ فإنّه مج.
[١٨] - مجرّدة:- س، مج.
[١٩] - معقولة: معقولا له م.
[٢٠] - لم يفعلوا: لم ينقلوا مج.
[٢١] - لا نقول: لا يقولوا ط.
[٢٢] - تعالى:+ و تقدّس س، مج.
[٢٣] - لنا:- ط.
[٢٤] - و الإضافيّة: أو الإضافيّة ط، م، مص.