شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٠٢ - الفصل التّاسع عشر فى بيان أنّ كلّ مجرّد فإنّه يمكن أن يكون عاقلا لذاته
مع إصراره على هذه المقدّمات الثّلاثة يعترف بأنّ حقيقة اللّه تعالى غير معلومة للبشر. و البراهين القاطعة ناطقة بذلك أيضا. فأنّى ينفعهم ههنا التّشبّث [١] بتلك المقدّمات في إنتاج شىء هم يعترفون [٢] بفساده.
ثمّ لئن وقعت المساعدة على أنّ كلّ ماهيّة مجرّدة فإنّها يصحّ أن تكون معلومة [٣]، فلم قلتم: إنّ كلّ ما صحّ أن يكون [٤] معقولا وحده، صحّ أن يكون معقولا مع غيره؟ فلعلّ [٥] من الماهيّات المجرّدة ما لا يصحّ أن يعقل شيئا آخر مع تعقّلها، و كيف يحكم بامتناع ذلك من يكون ظاهر مذهبه أنّ العلم بالشّىء و العلم بغيره لا يجتمعان؟
و بتقدير [٦] أن يساعد على أنّ كلّ مجرّد فإنّه يصحّ أن يعقل مع غيره، لكن لا بدّ من الدّلالة على أنّ كلّ مجرّد فإنّه يصحّ أن يعقل مع كلّ ما عداه حتّى يمكننا أن نفرّع عليه أنّ كلّ مجرّد فإنّه يصحّ أن يعقل [٧] كلّ الأشياء. لكن هذا المقام ليس ببديهىّ. فلعلّ من الماهيّات المجرّدة ما لا يصحّ أن يعقل مع تعقّل بعض الأشياء و إن صحّ تعقّله مع تعقّل سائر الأشياء.
ثمّ لئن [٨] وقعت المساعدة على أنّ كلّ ماهيّة مجرّدة فإنّها يمكن أن تكون معقولة مع كلّ ما عداها، لكن لم قلتم: إنّه متى صحّ ذلك فقد صحّ أن يكون ماهيّتها مقارنة لماهيّة [٩] غيرها؟ بلى [١٠] لو ثبت أنّ العلم بالشىء [١١] يستدعى حصول ماهيّة المعلوم في العالم لكان [١٢] ذلك لازما، لكنّ الكلام فيه [١٣].
ثمّ و [١٤] لئن وقعت المساعدة على أنّ كلّ ماهيّة مجرّدة فإنّه لا يمتنع أن يقارنها سائر الماهيّات، فلم قلتم: إنّ صحّة [١٥] هذه المقارنة حاصلة لها عند كونها في الخارج؟ و لم لا يجوز أن يقال: شرط هذه الصحّة حلولها في النّفس، أو يقال [١٦]: إنّ وجودها الخارجى يكون مانعا من ذلك.
و أمّا قوله: لو توقّفت [١٧] صحّة هذه المقارنة على حصولها في النّفس، مع أنّ حصولها في
[١] - فأنّى ينفعهم ههنا التشبّث: فأنّى ينفعهم التشبّث ههنا ط.: فان شفعهم ههنا التسبب مج.: فأىّ شىء يفهم أليست مص.
[٢] - يعترفون: معترفون ط، م.
[٣] - معلومة: معقولة ط، م.
[٤] - يكون:- مج.
[٥] - فلعلّ: و لعلّ س.
[٦] - بتقدير: يتعذّر مص.
[٧] - مع كلّ ما عداه ... يصحّ أن يعقل: على الهامش بخطّ جديد.:+ مع ط.
[٨] - ثم لئن: و مج.
[٩] - لماهيّة:- مص.
[١٠] - بلى: بل ط، مج.
[١١] - بالشّىء:- ط.
[١٢] - لكان: لكن س.
[١٣] - فيه:+ ما مرّ ط، م.
[١٤] - ثمّ و: ثمّ ط، م.:- مص.
[١٥] - صحّة: حجّة مج.
[١٦] - أو يقال: أن يقال مص.
[١٧] - توقّفت: وقعت مص.