شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٧٩ - الفصل الثّالث عشر فى إثبات العقل الفعّال
النّفس المرآة المنجلية [١]، فإنّه متى حوذى بها شىء ظهرت صورته فيها، فإذا حوذى بها [٢] شىء آخر زالت [٣] الصّورة الأولى. و إذا عرفت ذلك، فنقول: الشّىء الّذى منه تفيض على نفوسنا هذه الصّور العقليّة هو العقل الفعّال. فهذا حاصل الكلام في هذا الفصل.
و لنحرّر هذه الحجّة على طريق التّقسيم، فنقول: إنّا إذا علمنا شيئا فقد حصلت حقيقته [٤] فينا، فإذا غبنا عن ذلك المعلوم استحال أن تكون حقيقته باقية فينا، إذ لا معنى للعلم إلّا حصول تلك الصّور [٥] فى النّفس. فمتى كانت تلك الصّور [٦] باقية في النّفس، استحال أن لا تكون النّفس شاعرة بها.
ثمّ إنّ تلك الصّور [٧] إمّا أن تكون منحفظة في قوّة أخرى و هى خزانة لأنفسنا، و أنّه [٨] محال؛ لأنّ تلك الخزانة إن كانت موجودة في أنفسنا، كانت الصّور [٩] الموجودة فيها موجودة في أنفسنا [١٠]، فيعود المحال. و إن لم تكن موجودة في نفوسنا، فهو موجود مباين عن نفوسنا. و يجب أن يكون بحيث تفيض عنه [١١] هذه الصّورة [١٢] على نفوسنا عند اتّصال نفوسنا به، و ذلك الشّىء يجب أن يكون عقلا بالفعل، و هو العقل الفعّال.
و إذا عرفت ذلك فنقول: أصل الحجّة يرجع إلى أنّ الإنسان يصير عالما بعد ما لم يكن، فلا بدّ له من سبب، و ذلك السبب يجب أن يكون عقلا بالفعل. و إذا كان كذلك فنقول: إنّه لا حاجة [١٣] فى تقرير هذه الحجّة إلى شىء من المقدّمات المذكورة، لأنّ محلّ [١٤] العلوم سواء كان جسما أو جسمانيّا فإنّه لا يختلف به الغرض [١٥].
و كيف كان فإنّه قد صار عالما بعد أن لم يكن، و ذلك لا بدّ له من سبب، و هذا [١٦] ظاهر لا شكّ فيه. إنّما الشّأن [١٧] فى قوله: إنّ ذلك السبب يجب أن يكون عقلا بالفعل؛ فلم قال ذلك؛ و بأىّ برهان ذهب إليه؟
و غاية ما يمكن أن يقال في تقريره: إنّ السبب المعطى لهذه العلوم يجب أن يكون عنده هذه
[١] - المنجلية: المتخيّلة ط، م، مص.
[٢] - شىء ظهرت ... فإذا حوذى بها:- س، مج، مص.
[٣] - زالت:+ تلك ط، م.
[٤] - حقيقته:- مص.
[٥] - الصّور: الصّورة س، مج.
[٦] - الصّور: الصّورة س، مج.
[٧] - الصّور: الصّورة س، مج.
[٨] - و أنّه: و هو ط.
[٩] - الصّور: الصّورة س، م.: تلك الصّور ط.
[١٠] - أنفسنا: نفوسنا ط.
[١١] - عنه: عنه ط.
[١٢] - الصّورة: الصّور ط، مص.
[١٣] - لا حاجة: حاجة مص.
[١٤] - محلّ:+ تلك مص.
[١٥] - الغرض: الفرض م، مج.
[١٦] - و هذا: فهذا م، مص.: و ذلك ط.
[١٧] - الشّأن: الشّكّ مج.