شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢١٧ - الفصل الرّابع و العشرون فى إبطال القول بالكمون
الاختياريّة لا توجد إلّا عند الشّعور بمطلوب أو مهروب عنه، فيكون التّحريك متفرّعا على [١] الإدراك. و لذلك [٢] ذهب بعضهم إلى أنّه يجوز خلوّ بعض الحيوانات [٣] عن القوّة المحرّكة بالاختيار، مثل الأصداف و الإسفنجات [٤]، و إن كان هذا المذهب باطلا؛ و لم يجوّز [٥] أحد خلوّ الحيوان [٦] عن القوّة المدركة [٧]. فلمّا كان الإدراك متقدّما على التّحريك طبعا، استحقّ التّقديم [٨] عليه وضعا. ثمّ إنّ الكلام في القوّة المدركة فرّع على الكلام في حقيقة [٩] الإدراك، فلا جرم تكلّم أوّلا في ماهيّة الإدراك و حقيقته.
و إذا عرفت هذه المقدّمة، فنقول: هذا الفصل يتضمّن مطلوبين: أحدهما؛ أنّ إدراك الشّىء لا يحصل إلّا عند حصول حقيقة [١٠] المدرك في ذات المدرك [١١]. و ثانيهما؛ أنّ ذلك لو ثبت، فإدراك الشّىء [١٢] و [١٣] هل هو نفس هذا الحصول، أم لا؟ و الخائضون في هذه المسئلة قلّما يميّزون بين المطلوبين، و نحن نتكلّم فيهما [١٤] بعون اللّه تعالى [١٥]. ثمّ نرجع إلى تفسير الألفاظ.
المطلوب الأوّل؛ فى بيان أنّ [١٦] إدراك الشّىء لا يحصل إلّا عند حصول [١٧] حقيقة المدرك فى المدرك. و الدّليل عليه أنّا إذا تصوّرنا أمورا لا وجود لها بالفعل، سواء كانت ممكنة الوجود مثل كثير من الأشكال [١٨] الهندسيّة، أو لا تكون ممكنة الوجود. فإنّا نميّز بين ذلك المتصوّر و بين غيره، و ذلك يقتضى كون ذلك [١٩] المتصوّر متميّزا عن غيره. و كلّ ما كان كذلك، فإنّه ليس عدما صرفا؛ لأنّ [٢٠] العدم الصّرف لا يكون فيه امتياز و تخصّص [٢١]. و لو جاز في المعدوم [٢٢] الصّرف أن يكون بعضه متميّزا عن البعض بالمقدار و اللّون و الشّكل، لجاز في هذه الأمور الّتى [٢٣] تميّز بعضها عن البعض بالبصر [٢٤] أن [٢٥] تكون معدومة؛ و ذلك خروج عن العقل.
[١] - على: عن مج.
[٢] - لذلك: لأجل ذلك ط، م، مص.
[٣] - الحيوانات: الحيوان ط.
[٤] - الاسفنجات: الاسفنج هو الغيم الّذى يحمل فيه الماء: على هامش ط.
[٥] - و لم يجوّز: فلم لا يجوّز مج.
[٦] - الحيوان: الحيوانات م.
[٧] - المدركة: المحركة مص.
[٨] - التّقديم: التّقدّم س، ط.
[٩] - حقيقة:- م.
[١٠] - حقيقة:- م.
[١١] - لا يحصل إلّا ... ذات المدرك:- ط.
[١٢] - و ثانيهما ... فادراك الشّىء: على الهامش ط.
[١٣] - الشّىء:- م.
[١٤] - فيهما: فى المطلوبين معا ط.:+ فى مطلوبين م.
[١٥] - بعون اللّه تعالى:- ط.
[١٦] - أنّ:- مص.
[١٧] - حصول:- س.
[١٨] - الأشكال:- مص.
[١٩] - ذلك:- س.
[٢٠] - لأنّ: فإنّ ط.
[٢١] - تخصّص: تخصيص ط، م، مج.
[٢٢] - المعدوم: العدم س.
[٢٣] - الّتى:- مص.
[٢٤] - بالبصر:- ط.
[٢٥] - أن: إذ مص.