شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٦٨ - الفصل الثّامن عشر فى العناصر الأربعة
بقى ههنا بحثان: أحدهما؛ أنّ الشّيخ لما ذا صرّح في حرارة النّار و برودة الماء بأنّهما حصلا بطبعهما، حيث قال: «البالغ في الحرارة بطبعه هو النّار، و البالغ في البرودة بطبعه هو الماء»، و لم يصرّح بذلك في ميعان الهواء و جمود الأرض. و الثّانى؛ أنّه [١] لم بدأ في الذّكر بالحرارة [٢]، و ثنّى بالبرودة، و ثلّث بالرّطوبة، و ربّع باليبوسة؟
فنقول: أمّا الأوّل؛ فذلك لأنّه لم يشتبه على أحد أنّ الرّطوبة و اليبوسة مغايرتان للطّبيعة النّوعيّة الّتى لهذه [٣] العناصر الأربعة. و لكن أكثر المتقدّمين ذهبوا إلى أنّ طبيعة النّار هى الحرارة، و طبيعة الماء [٤] البرودة. و لأنّ اشتباه الكيفيّات الفعّالة بالطّبيعة الفعّالة أكثر من [٥] اشتباه الكيفيّات المنفعلة بها.
فلمّا وقع هذا الاشتباه في الكيفيّتين [٦] الفاعلتين [٧]، و لم يقع في الكيفيّتين المنفعلتين، لا جرم أنّه لمّا ذكر الكيفيّتين الفاعلتين ذكر أنّهما تصدران عن طبع الشّىء تنبيها على كونهما مغايرتين لطبيعته [٨] ليستغنى عن ذكر [٩] ذلك. و نبّه أيضا على الحجّة الّتى عليها التّعويل [١٠] فى أنّ حرارة النّار ليست هى نفس الصّورة. و هى: أنّ الحرارة قابلة للأشدّ و الأضعف، و ما كان كذلك لا يكون صورة. فنبّه على صغرى هذا القياس بقوله: «البالغ في الحرارة»، لأنّه إنّما يصدق أنّ هذا الشّىء بالغ في الحرارة إذا [١١] كانت الحرارة قابلة للأشدّ و الأضعف. و أمّا في الكيفيّتين [١٢] المنفعلتين لمّا لم يقع هذا الاشتباه لا جرم استغنى عن التّصريح بكونهما صادرتين عن الطّبيعة.
و أمّا الثّانى؛ فلأنّ الكيفيّة الفاعلة أشرف من المنفعلة، و الحرارة أشرف من البرودة لكونها مناسبة للحياة و كون البرودة منافية لها، فبدأ بالحرارة ثمّ [١٣] ثنّى بالبرودة [١٤]. و إنّما [١٥] قدّم الرّطوبة على اليبوسة لأنّ الرّطوبة غذاء [١٦] الحرارة و حافظة لها، فكانت أشرف من اليبوسة.
و أمّا قوله: «و الهواء بالقياس إلى الماء حارّ لطيف، يشبه به الماء إذا سخن و لطف»
؛ فاعلم أنّ لكلّ واحد من العناصر الأربعة كيفيّتين، و كلّ واحد منها [١٧] فإنّ إحدى كيفيّتيه قويّة و الأخرى
[١] - أنّه:- مج.
[٢] - فى الذّكر بالحرارة: بذكر الحرارة مص.
[٣] - لهذه: هى مص.
[٤] - الماء:+ هى مج.
[٥] - اشتباه ... أكثر من:- م.
[٦] - الكيفيّتين: الكيفيّات مج. و صحّح على الهامش على: «الكيفيّتان».
[٧] - الفاعليّتين: الفاعليّتين مص.: الفعّالتين مج.
[٨] - لطبيعته: للطّبيعتين مص.: للطّبيعة النوعيّة مج.
[٩] - ليستغنى عن ذكر: ليستغنى بذكر م.: استغنى عن ذكر مص.
[١٠] - عليها التّعويل: عوّل عليها مص.
[١١] - إذا: و إذا م.
[١٢] - الكيفيّتين:+ و م.
[١٣] - ثمّ: و مص.
[١٤] - ثم ثنّى بالبرودة:- مص.
[١٥] - و إنّما: ثمّ مص.
[١٦] - غذاء: عند مص.
[١٧] - منها:+ أى من العناصر مج.