شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٧٠ - الفصل الثّامن عشر فى العناصر الأربعة
و لقائل أن يقول: هذه الحجّة ضعيفة جدّا لأنّ لقائل أن يقول: لم قلت إنّ تلك الأجسام إنّما حدثت بمجرّد زوال الحرارة عن النّار؟ و لم لا يجوز أن يقال: إنّ حدوثها إنّما كان لأنّ [١] أجساما بخاريّة و دخانيّة صارت لكثرة حركتها قريبة الشّبه من الأبخرة و الأدخنة [٢] الّتى منها يتكوّن الحديد فى معدنه، ثمّ [٣] ارتفعت إلى كرة الأثير و انطبخ البعض بالبعض و تولّد منها الحديد؟ و لا بدّ لكم من هذا الّذى قلناه [٤] لأنّ المنقذف تارة يكون نحاسا، و تارة يكون حديدا، و تارة يكون حجرا. و لو كان تولّدها بمجرّد زوال الحرارة عن النّار لما اختلفت هذه المتولّدات.
و اعلم أنّه لم يذكر كون الماء رطبا لأنّه لا حاجة في العلم بذلك إلى البيان. و قد بقى ههنا أنّه لما ذا بدأ في هذا النّمط بالبحث في الهواء [٥]، ثمّ بالأرض، ثمّ بالنّار؟ فنقول: لأنّه أثبت الحرارة في الهواء، و البرودة في الأرض، و اليبوسة في النّار. و قد ذكرنا أنّه لا بدّ من الابتداء بالحرارة، ثمّ بالبرودة؛ فلا جرم بدأ بالهواء، ثمّ بالأرض، ثمّ بالنار، لأنّ المطلوب إثبات يبوستها.
و أمّا قوله: «و هذه الأربع مختلفة الصّور [٦]»
؛ فاعلم أنّه لمّا بيّن أنّ كلّ واحد من هذه الأربعة مخصوص بكيفيّتين من الكيفيّات الأربعة المذكورة، بيّن أنّه ليست مخالفة بعضها للبعض مخالفة بالأعراض فقط، بل و بالصّورة المقوّمة [٧]. و احتجّ عليه بهرب [٨] كلّ واحد من حيّز الآخر. فإنّ النّار لا يقف في حيّز الهواء بل يصعد. و الهواء لا يستقرّ في حيّز الماء؛ فإنّ الزقّ المنفوخ إذا جعل تحت الماء قسرا، أحسّ بما فيه من المدافعة إلى فوق. و لم يذكر عدم وقوف الماء و الأرض في حيّز النّار [٩] و الهواء لظهورهما [١٠].
و قوله: «و ذلك في الأطراف أظهر»
؛ فلأنّ الميل الطّبيعى [١١] يشتدّ عند [١٢] القرب من الحيّز الطّبيعى. فالجسم الخارج عن حيّزه الطّبيعى إذا عاد إليه، فإذا قرب وصوله إلى طرف مكانه الطّبيعى،
[١] - لأنّ: لأجل أنّ مج.
[٢] - صارت لكثرة ... و الأدخنة:- م.
[٣] - ثمّ:+ إذا مص.
[٤] - قلناه: قلنا م.
[٥] - بالبحث بالهواء: البحث بالهواء م.: من البحث في الهواء مص.
[٦] - مختلفة الصّور:+ إلى قوله و ذلك في الأطراف أظهر م.:+ و لذلك لا يستقرّ النّار حيث يستقرّ فيه الهواء، و الهواء حينئذ يستقرّ فيه الماء، و ذلك في الأطراف أظهر مج.
[٧] - بالصّورة المقوّمة: بالصّورة المنوّعة مج.
[٨] - بهرب: فهرب م.
[٩] - حيّز النّار: حيّز الماء مص.
[١٠] - لضهورهما: لظهورها مج.
[١١] - الميل الطّبيعى: الميل المستقيم مص.
[١٢] - يشتدّ عند: يستدعيه مص.: فسد عند مج.