شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٠٣ - الفصل الثّامن و العشرون فى البحث عن المقادير
إلّا بعد تعقّل كونه مسطّحا متناهيا. فلمّا لم يكن كذلك، علمنا أنّهما غير داخلين في ماهيّة الجسم.
و لقائل أن يقول [١]: ألسنا نعرف الجسم [٢]، ثمّ نعرف [٣] بعد ذلك كونه متألّفا من الهيولى و الصّورة بالحجّة، و لم يقدح [٤] ذلك في كون الهيولى جزءا من ماهيّة الجسم؟ و لم يكن ذلك إلّا لأنّا قبل العلم بتألّفه من الهيولى و الصّورة ما كنّا نعرف الجسم بحدّه الحقيقى بل بالرّسم [٥]، أو لأنّه لا يلزم من العلم بماهيّة الشّىء العلم بجملة ذاتيّاته. و كيف مادارت القضيّة [٦]، فلم لا يجوز مثله في السطح و التّناهى؟ فهذا هو الكلام في شرح قوله: أنّ الجسم يلزمه [٧] السطح لا من حيث [٨] يتقوّم جسميّته [٩].
فأمّا قوله بعد ذلك: «بل من حيث يلزمه التّناهى بعد كونه جسما»
؛ فاعلم أنّ ذلك مشعر بأنّ السطح إنّما يلزمه [١٠] بواسطة كونه متناهيا. لكن كلّ ما يعرض لشىء بواسطة شىء آخر فإنّ ثبوت الواسطة للمعروض [١١] له أقدم [١٢] من ثبوت ذى الواسطة له، فيلزم من هذا أن يكون عروض النّهاية للجسم قبل عروض السطح للجسم [١٣]؛ و هذا باطل. لأنّا بيّنّا [١٤] أنّ النّهاية إضافة عارضة للسّطح، و العارض يتأخّر عن المعروض، فكيف يكون عروض النّهاية للجسم متقدّما على عروض السطح له؟
و يمكن أن يجاب عنه: بأنّ من الجائز أن يكون شىء متأخّرا عن شىء آخر في وجوده، إلّا أنّ ثبوت ذلك المتأخّر لشىء ثالث يكون متقدّما على ثبوت ذلك المتقدّم لذلك الشّىء. مثل ما ذكرنا فى المنطق أنّ برهان اللّم قد يكون الأوسط فيه [١٥] معلول الأكبر في ذاته، و لكنّه يكون علّة لثبوت الأكبر للأصغر، فكذا ههنا.
ثمّ الّذى يدلّ على أنّ عروض السطح للجسم بواسطة التّناهى هو أنّا نحتاج في إثبات السطح للجسم إلى إثبات التّناهى [١٦]. فإنّا ما [١٧] لم نتصوّر كونه متناهيا لم نحكم بأنّ له سطحا. و لو لا أنّ ثبوت السطح للجسم بواسطة ثبوت التّناهى له، و إلّا لما كان كذلك؛ لأنّ العلم بثبوت الأوسط [١٨] للأصغر
[١] - أن يقول:- مص.
[٢] - الجسم:- م.
[٣] - ثمّ نعرف: بما يعرف مج.
[٤] - لم يقدح: لا يقدح مج.
[٥] - بالرّسم: بالوهم مج.
[٦] - القضيّة: القصّة م.
[٧] - يلزمه: يلزم مص.: لا يلزمه م.
[٨] - لا من حيث: من حيث م.
[٩] - جسميّته: جسميّة مص.
[١٠] - يلزمه: يلزم الجسم م.
[١١] - للمعروض: للمفروض مج.: للموضوع ه.
[١٢] - للمفروض له أقدم: للموضوع لعدم م.
[١٣] - للجسم: له م.
[١٤] - بيّنا: قد بينّا مج.
[١٥] - فيه:- م.
[١٦] - هو أنّا نحتاج ... إثبات التناهى: ثابتة على الهامش م.
[١٧] - فإنّا ما: فإنّا لمّا م.: فإمّا ما مص.
[١٨] - ثبوت التناهى ... الأوسط:- م.