شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦١٣ - الفصل الثّامن فى بيان احتياج المريد إلى الرّياضة و بيان أغراضها
مشفوعة بالفكرة، فلأنّه لمّا كان الغرض من العبادات تذكّر تلك المجرّدات، و ذلك ممّا لا يتأتّى إلّا بالفكرة، فلا جرم [١] وجب كون العبادة مشفوعة بالفكرة.
و ثانيها؛ الألحان و قد تقدّم [٢] تقريره.
و ثالثها [٣]؛ نفس الكلام الواعظ من قائل زكىّ [٤]، بعبارة بليغة، و نغمة رخيمة، و سمت رشيد.
و اعلم أنّ الكلام الواعظ هو الأصل. و أمّا القيود الأربعة الباقية فهى كالأمور الخارجيّة [٥] المتمّمة، و لا بدّ من شرحها.
أمّا كون القائل زكيّا [٦]، فلأنّ [٧] من لم يكن فعله مطابقا لقوله، لم يكن لقوله وقع في القلب؛ لأنّ المؤثّر ليس هو [٨] القول اللّسانى بل القوّة النّفسانيّة. فإذا لم تقو القوّة النّفسانيّة [٩] على إصلاح بدنها مع شدّة قربها إليه، فلأن لا تقوى على إصلاح بدن آخر كان أولى.
و أمّا كون العبارة بليغة فيجب تقديم تفسير البلاغة. و هى في الأصل عبارة عن بلوغ الرّجل بعبارته كنه ما في ضميره، و لا بدّ مع ذلك من قيد آخر لينتفع به في مطلوبنا هذا [١٠]. و بيانه و [١١] هو أنّ دلالة اللّفظ [١٢] كما عرفت إمّا بالمطابقة، أو بالتّضمّن، أو بالالتزام. و قد بيّنّا في كتاب الإعجاز أنّ الفصاحة لا تحصل [١٣] إلّا من دلالة الالتزام. و أيضا فالنّفس لكونها من [١٤] جوهر الملائكة [١٥]، مستعلية على جميع الأجسام و الأعراض، مستحقرة لها غير ملتفتة إليها؛ بل هى لا تنفعل [١٦] إلّا إذا استشعرت جانب اللّه تعالى، و تفكّرت في عظمته، و لاح لها شىء من مبادى جلاله و كبريائه، فأنّها هناك تتلاشى و تضمحلّ. كما قال اللّه تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [١٧]. و هذا مشعر بالحصر في لغة العرب [١٨].
و إذا عرفت ذلك فنقول: إذا [١٩] عبّر الإنسان عن كمال اللّه تعالى و عظمته في صفة من الصّفات بعبارات دالّة عليها بطريق الالتزام دلالة غير موصلة إلى كنه المعنى بتمامه، بل دلالة مكشوفة من وجه
[١] - فلا جرم: لا جرم س، مج.
[٢] - تقدّم: مرّ س.
[٣] - و ثالثها:- مج.
[٤] - زكىّ: ذكىّ مص.
[٥] - الخارجيّة: الخارجة ط، مج، مص.:+ و س.
[٦] - زكيّا: ذكيّا مص.
[٧] - فلأنّ: فإنّ م.
[٨] - هو:- ط، م.
[٩] - فإذا ... النفسانيّة:- مج.
[١٠] - هذا:- س.
[١١] - و بيانه و: بيانه و مج.: و بيانه س.
[١٢] - اللّفظ: الألفاظ ط، م، مص.
[١٣] - لا تحصل: لا تصلح مج.
[١٤] - من:+ كون مص.
[١٥] - الملائكة:+ صلوات اللّه عليهم س، مج.
[١٦] - بل هى لا تنفعل: بل لا تفعل ط.
[ (١٧) - ألا بذكر ... القلوب: سورة ١٣ (الرّعد)؛ آية ٢٨.]
[١٨] - و هذا مشعر ... العرب:- مص.
[١٩] - إذا: أو مص.