شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦١٢ - الفصل الثّامن فى بيان احتياج المريد إلى الرّياضة و بيان أغراضها
و المقصود أنّ العقلاء اختلفوا في إمكان الرّياضة. فمنهم من أحالها لأنّ قوّة الحسّ طالبة لذاتها للمحسوسات، و قوّة الشّهوة طالبة للمشتهيات، و قوّة الغضب طالبة للانتقام. و إذا كان الأمر كذلك استحال انقطاعها عن هذه الجوانب و تعلّقها بالمجرّدات. و أمّا المحقّقون فإنّهم سلّموا ذلك و زعموا أنّه لا يقدح في غرضهم؛ لأنّه ليس المقصود من الرّياضة أن [١] تصير قوّة الحسّ و الشّهوة و الغضب طالبة للأمور المجرّدة، بل أن لا تكون مستولية على القوّة العاقلة و لا مستعلية عليها. فإنّه متى لم تكن النّفس النّاطقة مقهورة لهذه القوى [٢] توجّهت بطبعها إلى عالم المجرّدات القدسيّة.
و أمّا الخيال و الوهم فهما بالطّبع ليسا متوجّهين إلى المحسوسات، بل إن كان الاستيلاء [٣] للحسّ و الشّهوة و الغضب تبعاها، و إلّا لصارا [٤] متابعين للعقل متصرّفين في الأمور المناسبة له. مثاله أنّ [٥] الإنسان إذا كان الغالب عليه الشّهوة، كان عمل الوهم و الخيال في الأمور المناسبة لها. و إن كان الغالب عليه [٦] الغضب، كان عملها في الأمور المناسبة له. و إن كان الغالب عليه [٧] الانقطاع عن الدّنيا و الإقبال على اللّه تعالى، كان عملهما [٨] فى الأمور المناسبة لذلك [٩] حتّى لا يرى في النّوم إلّا صور الملائكة [١٠]، و إلّا [١١] الجنّة و النّار، و لا يسمع من الهاتفين إلّا الكلمات المحذّرة [١٢] عن الدّنيا و المرغّبة فى الآخرة. ثمّ إذا صار الوهم و الخيال كذلك، أعانا العقل على عمله؛ و أعانهما العقل أيضا على ذلك. و لا يزال كلّ واحد منهما يعين الآخر حتّى يصلا إلى المقصد [١٣] الأقصى. فلهذا [١٤] السرّ ذكر الشّيخ أنّ الغرض من تطويع النّفس الأمّارة للنّفس المطمئنّة هو [١٥] أن تنجذب قوى التّخيّل و الوهم [١٦] إلى التّوهّمات [١٧] المناسبة للأمر القدسىّ، منصرفة عن التّوهّمات [١٨] المناسبة للأمر السفلى.
و أمّا أسباب هذا التّطويع فقد ذكر الشّيخ أمورا ثلاثة:
أوّلها؛ العبادة المشفوعة [١٩] بالفكرة. أمّا العبادة فلأنّ النّفس في أوّل الرّياضة قليلة الالتفات إلى الجانب الأعلى، فلا بدّ من سبب مذكّر [٢٠]، و ما ذاك إلّا العبادات [٢١] كما تقدّم [٢٢] تقريره. و أمّا كونها
[١] - أن: لأن مج.
[٢] - القوى: القوّة ط.
[٣] - الاستيلاء: الاستعلاء مص.
[٤] - لصارا: صارا س، م.
[٥] - أنّ:- س.
[٦] - الشّهوة كان ... الغالب عليه:- مج.
[٧] - الغضب ... الغالب عليه:- ط، م.
[٨] - عملهما:+ لذلك س.
[٩] - لذلك:- س، مج.: له م.
[١٠] - الملائكة:+ صلوات اللّه عليهم أجمعين س.
[١١] - إلّا:- ط، م، مص.
[١٢] - المحذّرة: المجرّدة س.
[١٣] - المقصد: المقصود س.
[١٤] - فلهذا: و لهذا س.
[١٥] - هو: و هو مج.
[١٦] - الوهم:+ أوّلا ط.
[١٧] - التّوهّمات: المتوهّمات س.
[١٨] - التّوهّمات: المتوهّمات س.
[١٩] - المشفوعة:+ المستغرقة ط.:+ المشعوقة م.
[٢٠] - مذكّر: مذكور مج.
[٢١] - العبادات: العبادة مج.
[٢٢] - تقدّم: مرّ مج.