شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦١١ - الفصل الثّامن فى بيان احتياج المريد إلى الرّياضة و بيان أغراضها
الحالة على شفا جرف، لأنّ بتقدير أن لا يحصل شىء من [١] الآفات الّتى هى أقوى الآفات بالكمّ و الكيف [٢]، لكن قهر النّفس حال وصول غذائها إليها أصعب من قهرها حال منع الغذاء عنها. و منها الملبوسات، و يجب أن لا يزاد فيها على ما يدفع ضرر [٣] الحرّ و البرد، و أن تكون نظيفة [٤] لموافقة الشّرع و تقوية الطّبع على ما يشهد به [٥] الذّوق السليم [٦].
و أمّا الأحوال النّفسانيّة فهى الّتى ذكرها الشّيخ ههنا، و حصرها في أمور ثلاثة:
الأوّل؛ تنحية ما دون الحقّ عن مستنّ [٧] الإيثار [٨]، و يعين عليه الزّهد الحقيقى. أمّا أنّه لا بدّ من الزّهد فلأنّ الدّنيا و الآخرة ضرّتان [٩]. و أمّا أنّه لا بدّ من كونه حقيقيّا فلأنّه إذا [١٠] تركه بالظّاهر [١١]، و كان القلب معه [١٢] مائلا إليه، لم ينتفع به؛ لأنّ اللّه لا ينظر إلى صوركم و لا إلى أعمالكم، و لكن ينظر إلى قلوبكم. أجل [١٣] لا بدّ و أن يقتنع [١٤] من المريد في مبدأ الأمر بالزّهد الظّاهرى [١٥]، لأنّ الزّهد الحقيقى لا يحصل إلّا بتقدّم الزّهد [١٦] الظّاهرى. فلو منعناه من الزّهد الظّاهرى إلّا عند الزّهد الحقيقى لزم الدّور، بل لا بدّ من الزّهد الظّاهرى أوّلا ليحصل الحقيقى ثانيا. فإنّهم اتّفقوا على أنّ الرّياء قنطرة الإخلاص.
و الثّانى، تطويع النّفس الأمّارة للنّفس المطمئنّة. و المراد من النّفس الأمّارة قوى الحسّ و الشّهوة و الغضب [١٧] و التّخيّل و التّوهّم. و من النّفس المطمئنّة القوّة العاقلة الطّالبة لمعرفة اللّه تعالى و محبّته. و لا بدّ من البحث أوّلا [١٨] عن ماهيّة هذا التّطويع، ثمّ ثانيا عن الأسباب الموجبة له. أمّا ماهيّته، فاعلم أنّه روى عن النّبىّ عليه السلام أنّه قال: ما من مولود يولد من بنى آدم إلّا و يولد معه قرين من الشّيطان. فقيل له: و أنت يا رسول اللّه كذلك [١٩]؟ فقال عليه السلام: و أنا كذلك إلّا أنّ اللّه أعاننى عليه فأسلم. أى فأسلم [٢٠] الشّيطان. و منهم من أنكر هذه الرّواية، و قال [٢١] الرّواية الصّحيحة: فأسلم؛ معناه أنّ اللّه تعالى أعاننى عليه [٢٢] حتّى أسلم أنا [٢٣] من شرّه. قال: لأنّ الشّيطان لا يسلم قطّ.
[١] - من:+ هذه مج.
[٢] - بالكمّ و الكيف:- س.
[٣] - ضرر:- س.
[٤] - نظيفة: لطيفة مص.
[٥] - به: بها ط، م.
[٦] - السليم: و التسليم م.
[٧] - مستنّ: متن مص.
[٨] - الإيثار: الإثبات م.: الآثار ط.
[٩] - ضرّتان: ضربان ط.
[١٠] - إذا: إن مج.
[١١] - تركه بالظّاهر: ترك الظّاهر س.
[١٢] - القلب معه: بالقلب ط، م.
[١٣] - أجل: و لأجل ذلك مج.
[١٤] - يقتنع: يقع ط.: يقع مص.
[١٥] - الظّاهرى: الظّاهر س.
[١٦] - بتقدّم الزّهد: بالزّهد ط، م.
[١٧] - الغضب:- س.
[١٨] - أوّلا: على فوق «لا بدّ» فى س.
[١٩] - كذلك:- س.
[٢٠] - أى فأسلم:- مص.
[٢١] - قال:+ الشّيطان لا يسلم و قال ط.
[٢٢] - عليه:- ط، م.
[٢٣] - حتّى أسلم أنا: حتّى أسلم م، مج: فأسلم مص.