شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٥١ - الفصل الثّالث و العشرون فى تحقيق ماهيّة الشّرّ و ذكر أسباب الشّرور
القتل [١] بأنّه شرّ. لكنّا [٢] إذا ميّزنا ما فيه من الأمور الوجوديّة عمّا فيه من الأمور العدميّة، وجدنا الشّرّ [٣] ليس إلّا العدميّات. فإنّا إذا [٤] نظرنا إلى كون القاتل متمكّنا من القتل فذلك [٥] خير؛ لأنّ القدرة من الكمالات و الخيرات. و إذا نظرنا إلى كون السكّين قطّاعا [٦] فهو خير؛ لأنّ كمال السكّين أن يكون [٧] كذلك. و إذا نظرنا إلى كون العضو قابلا للتّقطيع [٨] كان ذلك خيرا؛ فإنّه [٩] لو كان جاسيا [١٠] لا يتأثّر عن السكّين كان ذلك [١١] شرّا. فأمّا إذا نظرنا إلى فوات حياة [١٢] المقتول، و إلى تفرّق [١٣] إتّصال [١٤] بدنه، وجدناه شرّا. و معلوم أنّ هذين الأمرين عدميّان، فعلمنا الخير هو الوجود، و الشّرّ هو العدم.
و اعلم أنّ هذا الاحتجاج ليس بجيّد، لأنّ [١٥] من قال: الخير وجود، و الشّرّ عدم، إمّا [١٦] أن يكون غرضه منه [١٧] تفسير لفظ الخير بالوجود، و لفظ الشّرّ بالعدم. و حينئذ لا حاجة به في ذلك إلى [١٨] الاستدلال و الاحتجاج، لأنّ لكلّ أحد أن يفسّر أىّ لفظ شاء بأىّ معنى شاء. و إن كان غرضه منه أن يحكم على الخير بأنّه لا بدّ و أن يكون موجودا، و على الشّرّ بأنّه لا بدّ و أن يكون معدوما، حتّى يكون ذلك [١٩] قضيّة موضوعها الخير و محمولها الموجود، فهذا إنّما يتأتّى بعد تصوّر ماهيّة الخير و الشّرّ و كلامنا الآن فيه. فثبت أنّ الّذى ذكروه غير جيّد [٢٠]. ثمّ بتقدير النّزول عن هذا المقام فهو تعويل على مجرّد التّمثيل [٢١]، و قد عرفت أنّه لا يفيد اليقين.
و اعلم أنّ النّاس لا يريدون بلفظ الشّرّ في العرف العامّ المشهور إلّا الألم، أو ما يكون مؤدّيا إليه. ثمّ إنّ العلم الضّرورى حاصل بأنّ الألم أمر وجودىّ، و لا خلاف فيه بين العقلاء. بلى من النّاس من زعم أنّ اللّذة عبارة عن زوال الألم، فجعلها أمرا عدميّا. لكن لا خلاف بينهم في كون الألم أمرا وجوديّا. و إذا كان الأمر [٢٢] كذلك ظهر أنّ الذى يعنيه [٢٣] الناس [٢٤] بلفظ الشّرّ [٢٥] أمر وجودىّ. و أمّا الخير
[١] - القتل: المقتل مج.
[٢] - لكنّا: لكن مج.
[٣] - الشرّ:+ فيه س.
[٤] - فإنّا إذا: فإنّا مص.
[٥] - فذلك: فذاك ط، س.
[٦] - قطّاعا: قطوعا مص.
[٧] - يكون:+ له ط.
[٨] - للتّقطيع: للقطع ط، مص.
[٩] - فإنّه: لأنّه س.
[١٠] - جاسيا: جابسا ط. [جسأ أو جسا: صلب و يبس يد جاسئة أو جاسية أى يابسة.]
[١١] - ذلك:- مص.
[١٢] - حياة: حيوان ط.
[١٣] - تفرّق: تفريق مج، مص.
[١٤] - اتّصال: القتال مص.
[١٥] - لأنّ: فإنّ ط.
[١٦] - إمّا: ربّما يمكن مص.
[١٧] - منه: من ذلك مص.: فيه ط.
[١٨] - به في ذلك إلى: إلى ذلك مص.
[١٩] - ذلك:- س.
[٢٠] - غير جيّد: ليس بجيّد س.
[٢١] - التمثيل: المثال ط، م، مص.: ثابتة على الهامش و في المتن: العقل مج.
[٢٢] - الأمر:- ط.
[٢٣] - يعنيه: يعينه ط.
[٢٤] - النّاس:- س.
[٢٥] - الشّرّ: فى المتن هكذا و لكن صحّح على الهامش على: الخير م.