شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٥٠ - الفصل الثّالث و العشرون فى تحقيق ماهيّة الشّرّ و ذكر أسباب الشّرور
بالحسن و القبح العقليّين، و أنتم لا تقولون بواحد من هذين الأصلين.
فأمّا أنّه لا بدّ من القول بالفاعل المختار لأنّ [١] قول القائل: لم وجد [٢] الشّرّ [٣] فى أفعال اللّه تعالى؛ إنّما يتوجّه إذا كان [٤] تعالى مختارا يمكنه أن يفعل و أن لا يفعل حتّى يقال: لم فعل هذا دون ذاك [٥]؟ و أمّا إذا كان [٦] موجبا لذاته، بحيث يستحيل عقلا أن لا يكون مصدرا لما صدر عنه، لم يمكن أن يقال: لم فعل هذا دون ذاك؟ لأنّ جوابه هو: أنّه [٧] إنّما وجدت هذه الأفعال عنه لأنّ ذاته تعالى كانت موجبة لها لذاته [٨]. و كان يستحيل في العقل عدم صدورها عنه، سواء كانت تلك الأفعال خيرات محضة أو شرورا محضة.
و أمّا أنّه لا بدّ من القول بالحسن و القبح العقليّين؛ لأنّا بتقدير أن لا نقول بذلك، كان الكلّ حسنا صوابا من [٩] اللّه تعالى على ما هو قول الأشعريّة [١٠]. و إذا كان كذلك استحال أن يقال: لا يجوز من اللّه تعالى فعل [١١] الشرّ، و يجب أن يكون فاعلا للخير [١٢].
فثبت أنّ هذا البحث أنّما يستقيم على قول المعترفين بهذين الأصلين و هم المعتزلة. و أمّا الّذين ينكرونهما كان هذا البحث ساقطا عنهم، و كان خوضهم فيه فضولا.
و للفلاسفة أن يقولوا: غرضنا من هذا البحث أمران: أحدهما؛ أن نعلم أنّ مخلوقات اللّه تعالى من أىّ الأقسام الخمسة المذكورة. أى المقصود أن نعلم أنّ المخلوقات خيرات محضة، أو شرور محضة، أو ممتزجة. و الثّانى؛ أنّ عندنا [١٣] علم اللّه تعالى بالنظام الأكمل علّة لوجود ذلك النّظام. فبيّنّا أنّ النّظام الأكمل كيف هو حتّى عرفنا أنّ ذلك داخل في الوجود.
ثمّ لئن [١٤] نزلنا عن هذا المقام، و لكن التّقسيم الّذى بنوا عليه [١٥] قاعدة الباب بناء [١٦] على تصوّر ماهيّة الخير و الشّرّ، فيجب أوّلا أن نبحث عن ذلك. فنقول: قد [١٧] اشتهر في ألسنة الفلاسفة أنّ الخير هو الوجود، و الشّرّ هو العدم. و ربّما حاولوا الاستدلال عليه ببعض الأمثلة، مثل [١٨] أن قالوا: إنّا [١٩] نحكم على
[١] - لأنّ: فلأنّ ط، م، مص.
[٢] - لم وجد: لم يوجد مج.
[٣] - الشرّ: الشّىء ط.:- مج.
[٤] - كان:+ اللّه ط.
[٥] - ذاك: ذلك س.
[٦] - كان:+ ذلك س.
[٧] - أنّه:- ط.
[٨] - لذاته: لذاتها س.
[٩] - من: عن مج.
[١٠] - ما هو قول الأشعريّة: ما قال الأشعرى س.
[١١] - فعل:- س.
[١٢] - للخير:- مص.
[١٣] - عندنا: عندهم ط.: أنّ س.:+ أن نعلم مج؛ ثم شطب عليها.
[١٤] - لئن: إنّ مص.: و إنّ س.
[١٥] - بنوا عليه: عليه بناء ط، مص.: عليه م.
[١٦] - بناء:- مص.
[١٧] - قد:- ط، م، مص.
[١٨] - مثل: ثمّ مج.
[١٩] - إنّا: إنّما مج.