شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٤٩ - الفصل الثّالث و العشرون فى تحقيق ماهيّة الشّرّ و ذكر أسباب الشّرور
أمّا القسم الأوّل فإنّ الحكمة الإلهيّة الّتى هى مبدأ الرّحمة و ينبوع الخير و الجود تقتضى حصوله.
و أمّا القسم الثّانى فإنّ الحكمة تقتضى حصوله [١]، لأنّه لو لم يحصل لا ندفعت [٢] الخيرات الغالبة. فإذن في [٣] حصوله مفسدة قليلة و خير كثير، و في عدم حصوله عكس ذلك. و تحمّل أدنى [٤] المفسدتين لدفع أعلاهما من [٥] مقتضيات الحكمة. و هو المراد من قولهم [٦]: إنّ في أن لا يوجد الخير الكثير تحرّزا عن الشرّ القليل شرّا كثيرا. و مثال هذا القسم النّار، فإنّها لا يمكن كونها [٧] موجودة موصوفة بطبيعتها و خاصيّتها الّتى هى منشأ المنافع العظيمة [٨] إلّا و يكون بحيث قد يتادّى في بعض أحوالها إلى أن يحترق بها [٩] حيوان [١٠]. و الإنسان [١١] لا يمكن دخوله في الوجود على ما هو [١٢] عليه من نفسه [١٣] و بدنه و قواه و خواصّه [١٤] إلّا و يكون بحيث قد يعرض لبعضهم خطأ في الهيئات النّظريّة أو العمليّة [١٥] يكون سببا للضّرر في المعاد [١٦].
و أمّا الأقسام الثّلاثة الباقية [١٧] فهى غير [١٨] موجودة، لأنّا إذا تأمّلنا في أحوال [١٩] هذا العالم وجدنا السقم و الألم و إن كانا كثيرين، لكنّ الصّحّة و السلامة أعمّ و أتمّ و أكثر. و إذا عرفت ذلك ظهر أنّ الشّرّ داخل في القضاء الإلهىّ بالعرض، يعنى أنّ الأمور التى كانت الخيريّة غالبة عليها لما كانت مقصودة لما فيها من الخيرات الغالبة، لا جرم وجدت تلك الشّرور القليلة اللّازمة لها [٢٠]. و لو لا كونها لا زمة لتلك الخيرات، و إلّا لما وجدت.
و لقائل أن يقول للفلاسفة: إنّ البحث عن هذه المسئلة ساقط عنكم على حسب أصولكم، فيكون خوضكم [٢١] فيه من الفضول. و إنّما قلنا: إنّ [٢٢] البحث عنها [٢٣] ساقط عنكم [٢٤] على حسب أصولكم [٢٥]؛ لأنّ البحث عن هذه المسئلة لا يستقيم إلّا مع القول بأنّ فاعل العالم [٢٦] مختار، و مع القول
[١] - و أمّا القسم ... حصوله: على الهامش ط.
[٢] - لاندفعت:+ تلك ط، م، مص.
[٣] - فى:- مص.
[٤] - أدنى: أقلّ م.: أذى س، مج.
[٥] - من: فى ط.
[٦] - قولهم: قوله مص.
[٧] - كونها: أن يكون س.
[٨] - المنافع العظيمة: للمنافع العظيمة مج.: لمنافع عظيمة ط.
[٩] - بها:- مج.
[١٠] - حيوان: بحيوان ط.
[١١] - الانسان: الانباز مج.
[١٢] - هو: مرّ مج.
[١٣] - نفسه:+ و خواصّه ط.
[١٤] - خواصّه: جوارحه مص.
[١٥] - العمليّة:+ و س.
[١٦] - للضّرر في المعاد: ليضرّوا المعاد س.
[١٧] - الباقية:- س.
[١٨] - فهى غير: فغير س.
[١٩] - أحوال:+ أهل مج، مص.
[٢٠] - لها:- س.
[٢١] - خوضكم: حصوله ط.
[٢٢] - إنّ:- ط.
[٢٣] - عنها:- مج، مص.
[٢٤] - عنكم:- ط، م.
[٢٥] - فيكون خوضكم ... حسب أصولكم:- مج.
[٢٦] - العالم:+ فاعل ط، م.