شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٦٢ - الفصل السابع عشر فى بيان المقدّمة الثّانية المحتاج إليها في تقرير برهان التّوحيد
الأثر لا يجب أن يكون بالوجود.
فإن قيل: إذ [١] لم يكن الوجود معتبرا في كون الماهيّة مؤثّرة، و كلّ ما لا يكون موجودا كان معدوما، فحينئذ يلزم أن تكون الماهيّة حال عدمها مؤثّرة في وجود نفسها؛ و ذلك محال. فنقول: إنّه لا يلزم من قولنا: إنّه لا يتوقّف علّيّة الماهيّة لوجود نفسها على وجود الماهيّة؛ صحّة كون الماهيّة حال عدمها مؤثّرة [٢] فى الوجود. كما أنّه [٣] لا يلزم من قولنا: إنّه لا يتوقّف [٤] كون الماهيّة الممكنة قابلة للوجود على وجود تلك الماهيّة؛ صحّة كونها حال عدمها قابلة للوجود. بل الحقّ أنّ الماهيّة من حيث هى هى مغايرة لوجودها و عدمها، و نحن إنّما جعلنا المؤثّر في الوجود نفس تلك الماهيّة فقط، و ذلك لا يمنع من خلوّها عن الوجود.
فإن قيل: فكما جوّزتم أن تؤثّر ماهيّته [٥] قبل الوجود في وجود نفسها، فلم لا يجوز أن تؤثّر تلك الماهيّة قبل وجودها في وجود العالم؟ و حينئذ لا يمكن الاستدلال بوجود الأفعال على وجود الفاعل؛ قلنا: البديهة فرّقت بين الموضعين، فإنّا نعلم بالبديهة أنّ الشّىء ما لم يوجد، لا يكون سببا لوجود غيره؛ و نعلم أنّه لا استعباد في أن يكون الشّىء موجودا لذاته [٦]. و المعقول من قولنا لشىء [٧]:
إنّه موجود لذاته؛ أنّ ذاته يقتضى [٨] وجود نفسه. و إذا جزمت بديهة الفكرة بالفرق صحّ كلامنا [٩].
فهذا تمام [١٠] الكلام في هذه المسئلة. و يجب أن تعلم أنّه لا يمكن أن يحصل في هذه المسئلة قول وراء الأقوال الثّلاثة الّتى ذكرناها. و يجب أيضا [١١] الاحتياط في تمييز [١٢] كلّ واحد من هذه الأقوال عن الآخر [١٣] ليتّضح الكلام في [١٤] المسئلة سريعا [١٥]. و باللّه التّوفيق.
[١] - إذ: إذا م.
[٢] - لوجود نفسها ... مؤثّرة: ثابتة على الهامش س.
[٣] - كما أنّه: لأنّه مص.
[٤] - بدل قوله: «صحّة كون الماهيّة ... أنّه لا يتوقّف»: قولنا يتوقّف علّيّة الماهيّة لوجود نفسها على عدم الماهيّة فما لا يلزم من عدم توقّف صحّة ط.
[٥] - ماهيّته: ماهيّة مج.
[٦] - لذاته: من ذاته ط.
[٧] - لشىء: للشّىء م.
[٨] - يقتضى:+ كونه مج.
[٩] - فإن قيل فكما جوّزتم ... صحّ كلامنا:- س، مص.
[١٠] - تمام: إتمام مص.
[١١] - أيضا:- س.
[١٢] - تمييز: تميّز ط، م.
[١٣] - عن الآخر: عن غيرها س.
[١٤] - فى:+ هذه مص.
[١٥] - سريعا:+ و يجب أيضا أن تعلم أنّ القسم [القسم: القول ط.] الّذى اختارته الفلاسفة ممّا لا ريب في فساده. فأمّا القسمان الباقيان فلسنا في غاية التّعصّب لترجيح أحدهما على الآخر. ط، م، مج. لكن في نسخة ط. بدل «فلسنا في ... على الآخر»: فليسا في غاية الضّعف فلا بأس بترجيح أحدهما عن الآخر.