شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٢٩ - الفصل الرّابع و العشرون فى إبطال القول بالكمون
أبطل أن يكون العاقل هو النّفس بأن قال: لو عقلت النّفس السواد لأنّ السواد حلّ [١] فيها، لعقل الجماد [٢] السواد لأنّ السواد حلّ فيه. و قرّر ذلك غاية التّقرير. فقد ظهر أنّ القول بأنّ العلم هو نفس الانطباع لا يتمشّى إلّا مع القول باتّحاد العاقل بالمعقول. ثمّ إنّه رجع عن القول بالاتّحاد في هذا الكتاب و اعترف بأنّه من الخرافات، و الجمع بين القولين مشكل. بلى من قال: العلم هو [٣] نفس الانطباع، لا بدّ له من القول بالاتّحاد ليتمهّد له الفرق بين حلول السواد في النّفس و بين حلوله [٤] فى الجسم [٥]. و من نفى الاتّحاد فلا بدّ له من القطع بأنّ العلم أمر [٦] وراء الانطباع.
و اعلم أنّ الكلام في أنّ العلم بالسّواد مثلا ليس نفس حصول السواد للشّىء، و أنّ [٧] المعقول لا يتحدّ بالعاقل، أظهر من أن يحتاج في إبطاله إلى [٨] بسط و تقرير. بل كان من الواجب أن يكون فساد هذا المذهب و أمثاله معلوما بالضّرورة، و إنّما دعت الحاجة إلى تطويل القول [٩] فيه لجهل المقلّدة و إصرارهم على تقرير كلّ ما يجدونه و يرونه [١٠] فى كتاب من يعتقدون فيه بكلّ [١١] ما أمكن أن ينطلق اللّسان به، و إن [١٢] كان فساده معلوما بالضّرورة [١٣].
الحجّة الثّانية من الدّليلين [١٤] العاميّن على إبطال ما قالوه أنّه لو كانت حقيقة العلم و الإدراك عبارة عن [١٥]: حصول شىء لشىء [١٦] مجرّد، لكنّا إذا تصوّرنا موجودا ليس بجسم و لا حالّ [١٧] فى الجسم [١٨]، و اعتقدنا أنّه حلّ فيه السواد، وجب أن يقطع حينئذ بكون ذلك الموجود عالما بذلك السواد [١٩]؛ لأنّه إذا كان لا حقيقة للعلم إلّا حصول السواد لذلك الموجود، فمتى عرفنا ذلك، فقد عرفنا أنّه حصل له ما هو حقيقة العلم. لكنّا نعلم بالضّرورة أنّه ليس الأمر كذلك. فإنّا بعد العلم بأنّه تعالى ليس بجسم و لا حالّ في الجسم [٢٠] يصحّ منّا الشّك في أنّه تعالى هل يعلم ذاته؟ و هل يعلم كونه فاعلا لغيره أم لا؟ فعلمنا أنّ كون الشّىء شاعرا بالشّىء مغاير لحصول ذلك الشّىء له. [٢١]
[١] - حلّ:- س.
[٢] - لعقل الجماد: العقل الجواد مص.
[٣] - العلم هو:- م.
[٤] - حلوله: حصوله مص.
[٥] - الجسم:+ الّذى هو فيه ط، م.
[٦] - أمر:- م، مص.
[٧] - و أنّ: فإن م.: أنّ مص.
[٨] - إلى:+ فضل ط، م، مص.
[٩] - القول: القوم مص.
[١٠] - يجدونه و يرونه: يجدونه ط، م.: يرونه مص.
[١١] - بكلّ: و بكلّ مج.: و كلّ س.: فكلّ مص.
[١٢] - و إن: و إذا ط.
[١٣] - بالضّرورة: على ما عرف ط.
[١٤] - الدّليلين: الوجهين مص.
[١٥] - عبارة عن: هى س.
[١٦] - لشىء:- ط.
[١٧] - لا حالّ: لا قائم س.: لا قائما مص.
[١٨] - فى الجسم: فى جسم مص.
[١٩] - بذلك السواد: بالسّواد س.
[٢٠] - فى الجسم: فى جسم ط.
[٢١] - له:- مص.:+ و اللّه أعلم ط.