شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٢٧ - الفصل الرّابع و العشرون فى إبطال القول بالكمون
ذلك الشّىء؛ و نحن لا نقول ذلك. بل نقول: إدراك السواد عبارة عن حصوله للقوّة [١] المدركة، و الجماد [٢] لمّا لم يكن له قوّة مدركة، لا جرم [٣] لم يلزم من حصول السواد له كونه مدركا لذلك السواد.
و أيضا فإنّ ماهيّة النّفس مخالفة لماهيّة الجسم، فلا يلزم من كون حصول السواد في النّفس عبارة عن:
إدراك النّفس له؛ أن يكون حصول السواد للجسم عبارة عن: إدراك الجسم له. و أيضا فإنّ حصول السواد للشّىء أنّما يكون عبارة عن: إدراك ذلك الشّىء له إذا كان ذلك الحصول واقعا على وجه مخصوص، و هو التّجرّد عن المادّة [٤]. و هذا المعنى غير ثابت في حصول السواد [٥] للجسم [٦]، فلا يلزم من حصول السواد في الجسم [٧] أن يكون الجسم [٨] مدركا له.
لأنّا نقول: أمّا الأوّل؛ فظاهر البطلان، لأنّ [٩] حقيقة المدرك شىء له الإدراك، كما أنّ المفهوم من النّاطق شىء له النّطق. فإن كان الإدراك عبارة عن نفس حصول الصّورة للشّىء، كان المدرك عبارة عن الشّىء الّذى [١٠] حصلت له تلك الصّورة. و إذا كان كذلك [١١] فقولنا للشّىء الّذى حصلت له [١٢] الصّورة: إنّه غير مدرك له؛ نازل منزلة ما يقال: إنّه حصلت الصّورة له [١٣] و ما حصلت الصّورة له؛ و هذا باطل. و بالجملة الجماد يصدق عليه أنّه حصلت له حقيقة [١٤] السواد، و يكذب عليه أنّه حصل له ادراك حقيقة السواد. فيجب القطع بأنّه ليس حصول حقيقة السواد للشّىء نفس إدراك حقيقة السواد.
و أمّا الثّانى؛ فهو ظاهر الفساد أيضا، لأنّ كون النّفس عالمة بالسّواد مثلا ليس عبارة عن نفس ذاتها. أمّا أوّلا، فلأنّه يلزم أن لا يعتبر في كون النّفس عالمة بالسّواد حصول حقيقة السواد لها، و ذلك يقدح في أصل قولهم. و أمّا ثانيا؛ فلأنّه يلزم أن تكون النّفس أبدا [١٥] عالمة بالسّواد. و ليس أيضا عبارة عن السواد الحاصل فيها؛ لأنّ السواد الحاصل فيها يجب أن يكون مثلا للسّواد الحاصل في الجسم، و إلّا لم يكن العلم بالسّواد عبارة عن حصول مثل [١٦] السواد في الذّهن، و ذلك اعتراف بفساد قولهم.
[١] - حصولة للقوّة: حصول القوّة س.
[٢] - و الجماد: فالجماد مج.
[٣] - لا جرم:- مص.
[٤] - المادّة: المال ط.
[٥] - السواد:+ فى الجسم مص.
[٦] - للجسم: فى الجسم ط.
[٧] - فى الجسم: للجسم ط.
[٨] - الجسم:- ط.
[٩] - لأنّ: لا مج.
[١٠] - الّذى:+ الصّورة مج.:+ إذا ط.
[١١] - نفس حصول الصّورة ... و إذا كان كذلك: على الهامش س.
[١٢] - تلك الصّورة ... الّذى حصلت له: على الهامش م.
[١٣] - إنّه غير مدرك ... إن حصلت الصّورة له:- مص.
[١٤] - حقيقة:- س.
[١٥] - أبدا:- مص.
[١٦] - مثل: أصل مج.