شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٦١ - الفصل السابع عشر فى الأجسام العنصريّة و القوى الأوّليّة الّتى بها يتمّ الفعل و الانفعال بين الأركان
و أمّا اللّذع و التّخدير؛ فاعلم أنّ اللّذع منسوب إلى الحرارة، و التّخدير إلى البرودة. و ذكر في القانون: أنّ اللّاذع [١] هو الّذى له كيفيّة نفّاذة جدّا، لطيفة، تحدث في الاتّصال تفرّقا كثير العدد، متقارب [٢] الوضع، صغير المقدار، فلا يحسّ كلّ واحد بانفراده، و يحسّ بالجملة كالوجع الواحد. و ذكر في المخدّر أنّه البارد الّذى يبلغ من برده [٣] للعضو إلى أن يصير جوهر الرّوح الحاملة إليه [٤] قوّة الحسّ و الحركة باردا في مزاجه [٥]، غليظا في جوهره، فلا تستعملها القوى النّفسانيّة، و تجعل مزاج العضو كذلك، فلا يقبل تأثير القوى النّفسانيّة. فهذا شرح ما أورده من القوى الفعليّة.
و أمّا القوىّ الانفعاليّة فمنها الرّطوبة. و ذكر في الشّفاء [٦] أنّها في المشهور عبارة عن البلّة، أى كون الجسم بحيث يلتصق [٧] بالغير، و هو باطل. فإنّ الجسم كلّما كان أرطب كان أقلّ التصاقا بالغير. فإنّ الماء الصّافى جدّا إذا غمس الإصبع فيه، كان ما [٨] يلتصق منه بالإصبع أقلّ ممّا يلتصق من الماء الغير الصّافى أو الدّهن أو العسل [٩]. فعلمنا أنّ الالتصاق [١٠] ليس خاصيّة الرّطوبة. و لمّا بطل هذا الاعتبار لم يبق للرّطوبة إلّا سهولة قبول الأشكال الغريبة و سهولة تركها؛ فيكون رسمها: أنّها الكيفيّة الّتى بها تكون الأجسام سهلة القبول للأشكال الغريبة، سهلة التّرك [١١] لها. و اليبوسة: هى الكيفيّة الّتى بها تكون الجسم عسر القبول للأشكال الغريبة، و عسر [١٢] التّرك [١٣] لها بعد قبوله لها [١٤].
و لقائل أن يقول: الاستدلال على أنّ الرّطوبة عبارة عن الكيفيّة الّتى بها يكون الجسم سهل القبول للأشكال، أو [١٥] عن الكيفيّة الّتى بها يكون الجسم سهل الالتصاق بغيره [١٦] استدلال في أمر لفظىّ، لأنّ هذين الأمرين أعنى سهولة قبول الأشكال و سهولة الالتصاق بالغير حقيقتان متغايرتان [١٧] فى ماهيّتهما، و لا ينكر هذا التّغاير أحد [١٨]. فلا يبقى ههنا إلّا النّزاع في إطلاق لفظ الرّطوبة على واحد منهما، و ذلك لا يفيد فائدة علميّة [١٩]. بل النّاس اتّفقوا على أنّ الرّطب إذا اختلط باليابس
[١] - اللّاذع: اللّدغ مص.
[٢] - متقارب: متفاوت مص.
[٣] - برده: تبريده م.: بريده مص.
[٤] - إليه:- م.
[٥] - فى مزاجه: و مزاجه مص.
[ (٦) - راجع: الشّفاء؛ الطّبيعيّات؛ الفصل التّاسع من الفنّ الثّالث: فى الكون و الفساد؛ ص ١٥٣]
[٧] - يلتصق: يتضيق م.
[٨] - كان ما: ما كان مص.
[٩] - أو العسل: إلى العسل مص.
[١٠] - الالتصاق: الاتّصاف م.
[١١] - التّرك: التّركيب مج.
[١٢] - و عسر: عسر م.
[١٣] - التّرك: التّركيب مج.
[١٤] - قبوله لها: قبوله م.
[١٥] - عن الكيفيّة ... للأشكال أو:- م.
[١٦] - بغيره: بالغير مص.
[١٧] - حقيقتان متغايرتان: أمران متغايران مص.
[١٨] - أحد: أصلا مص.
[١٩] - علميّة:- م.