شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٤ - الفصل الثّانى فى إبطال قول من قال الجسم مؤلّف من أجزاء غير متناهية
أجزاء غير متناهية. و إنّما قال: «من النّاس من يكاد يقول بهذا التّأليف»، و لم يقل من النّاس من يقول [١] بهذا التّأليف، لأنّ أصحاب هذا المذهب زعموا أنّ كلّ ما يمكن في الجسم من الانقسامات فهو حاصل فيه بالفعل. و هذه القضيّة يلزمها بطريق عكس النّقيض: أنّ كلّ ما لا يكون من الانقسامات حاصلا بالفعل فهو غير ممكن الحصول.
ثمّ إنّهم أثبتوا في الجسم كثرة بالفعل، و لا معنى للكثرة إلّا مجموع الأشياء الّتى كلّ واحد منها يكون في نفسه شيئا واحدا. و ذلك إنّما يكون لو لم يكن في كلّ واحد من تلك الآحاد كثرة بالفعل.
فإذن من قال: الجسم مركّب من أجزاء لا نهاية لها بالفعل [٢]، فقد قال: بإثبات أمور كلّ واحد منها [٣] لا يكون منقسما [٤]. و قد بيّنّا أنّ على مذهبهم كلّ ما لا يكون منقسما فإنّه يمتنع أن ينقسم.
فإذن حاصل مذهبهم يرجع إلى أنّ الجسم متألّف [٥] من أجزاء كلّ واحد منها لا يقبل الانقسام بوجه من الوجوه، إلّا أنّها غير متناهية في العدد. فإذن لا فرق بين هذا المذهب و بين المذهب [٦] الّذى مضى إبطاله في الفصل الأوّل، إلّا في أنّهم زعموا أنّ الموجود في كلّ جسم من تلك الأجزاء عدد متناه، و هؤلاء زعموا أنّ الموجود منها في كلّ جسم عدد غير متناه [٧]. فهذا هو التّحقيق. لكن أصحاب هذا المذهب لا يعترفون بإثبات الجزء الذى لا يتجزّأ. فلمّا [٨] كانت حقيقة مذهبهم هو [٩] القول بالجزء، و هم في الظّاهر غير معترفين به، لا جرم لم يحك الشّيخ عنهم أنّهم يقولون: الجسم متألّف من أجزاء لا تتجزّأ، بل حكى عنهم أنّهم يكادون يقولون: بأنّه مؤلّف من أجزاء لا تتجزّأ، أى حقيقة مذهبهم ذلك، و إن كانوا [١٠] لا يصرّحون به.
و أمّا الحجّة على فساد هذا المذهب [١١] أنّ الجسم لو كان متألّفا من أجزاء غير متناهية في العدد لكان الجزء الواحد فيه موجودا، لأنّه لا معنى للكثرة [١٢] إلّا اجتماع الوحدات. فإذا أخذنا عددا متناهيا من تلك الأجزاء الغير المتناهية: فإمّا أن يكون مقدار ذلك المجموع الحاصل من أعداد متناهية أزيد من مقدار الجزء [١٣] الواحد، أو لا يكون. و الثّانى باطل، و إلّا لم يكن اجتماعها سببا لزيادة المقدار،
[١] - يقول: قال مج.
[٢] - بالفعل:- مج.
[٣] - يكون في نفسه ... كلّ واحد منها:- مص.
[٤] - لا يكون منقسما: لا ينقسم م.
[٥] - متألّف: يتألّف مص.
[٦] - و بين المذهب: و المذهب م.
[٧] - و هؤلاء زعموا ... غير متناه:- مص.
[٨] - فلمّا: فلو مج.
[٩] - مذهبهم هو: مذهب هؤلاء م.
[١٠] - إن كانوا: إن كادوا م.
[١١] - المذهب:+ فهو مص.
[١٢] - للكثرة: لكثرة م.
[١٣] - الجزء:- مج.