شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٥ - الفصل الثّانى فى إبطال قول من قال الجسم مؤلّف من أجزاء غير متناهية
فكان لا يحصل المقادير من اجتماعها، و ذلك يوجب الجزم بأنّ هذه الأجسام المحسوسة غير متألّفة من تلك الأجزاء، و أمّا الأوّل، و هو أن يكون مقدار ذلك المجموع أعظم من مقدار الواحد، فذلك يقتضى أن يكون كلّما كانت الأجزاء أكثر كان المقدار أعظم.
و إذا ثبت ذلك فنقول: لا شكّ في أنّ هذه الأجسام المحسوسة متناهية في مقاديرها، و أنّ نسبة بعضها إلى بعض نسبة متناهى المقدار إلى متناهى المقدار، و ذلك يقتضى أن تكون نسبة ما في أحدهما من العدد إلى ما في الآخر من العدد نسبة متناه إلى متناه، و إلّا لم يكن التّفاوت في المقدار على حسب التّفاوت في العدد. فإذا كانت نسبة الجسم الّذى فرضناه متألّفا من أجزاء متناهية إلى الجسم الّذى زعم الخصم أنّه متألّف من أجزاء غير متناهية نسبة متناهى المقدار إلى متناهى المقدار، وجب أن تكون نسبة أحدهما إلى الآخر نسبة متناهى العدد إلى متناهى العدد، مع أنّ الخصم زعم أنّ [١] نسبة أحدهما إلى الآخر نسبة متناهى العدد إلى غير متناهى العدد، هذا خلف. فثبت بطلان قول من قال: الأجسام مؤلّفة من أجزاء غير متناهية. و لنرجع إلى شرح المتن.
أمّا قوله: «كلّ كثرة، متناهية أو غير متناهية، فإنّ الواحد و المتناهى فيها موجودان»
؛ فاعلم أنّ الكثرة قد يراد بها: الكثرة الحقيقيّة الّتى هى العدد، و على هذا التّفسير كلّ عدد يكون كثرة، و تكون الكثرة أحد نوعى الكمّ. و قد يراد بها الكثرة الإضافيّة مثل قولنا: الخمسة كثيرة بالقياس إلى الأربعة، قليلة بالقياس إلى الستّة. و على هذا التّفسير لا يكون كلّ عدد كثيرا؛ فإنّ الإثنين ليس كثيرا بالقياس إلى عدد دونه، لأنّه [٢] العدد الأوّل. و لا تكون الكثرة بهذا المعنى من مقولة الكمّ بل من مقولة المضاف.
و إذا [٣] عرفت ذلك فنقول: أمّا الكثرة الحقيقيّة فلا شكّ أنّ الواحد يكون فيها موجودا؛ لأنّ الكثرة لا معنى لها إلّا مجموع الوحدات، فإن لم تكن الوحدة حاصلة استحال أن تكون حاصلة مع غيرها. و حينئذ لم تكن الوحدات المجتمعة حاصلة، فلم تكن الكثرة حاصلة. فثبت أنّ كلّ كثرة فإنّ الواحد يجب أن يكون موجودا فيها، و لكن لا يجب أن يكون المتناهى موجودا فيها؛ لأنّه إن أريد بالمتناهى المتناهى في المقدار لم يجب أن يوجد في كلّ كثرة متناه في المقدار. فإنّ العدد كما يعرض [٤] للأشياء ذوات المقادير فقد يعرض [٥] أيضا للأشياء المجرّدة عن المقادير. و إن أريد
[١] - نسبة أحدهما ... الخصم زعم أنّ:- مج.
[٢] - لأنّه: لأنّ م.
[٣] - و إذا: فإذا مص.
[٤] - يعرض: يفرض مج.
[٥] - فقد يعرض: فكذلك يعرض م.: فقد يفرض مج.