الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٥ - الحزم في التّعامل مع المشركين
مرارا في هذه السورة.
إنّ سياق الآية يوحي بأنّ المشركين كانوا يتوهمون أحيانا أن من الممكن أن يلين النّبي و يتسامح في عقيدته في شأن الأصنام و يعترف و يقرّ لهم عبادة الأصنام و لو جزئيا إلى جانب الإعتقاد باللّه بنحو من الأنحاء.
إلّا أنّ القرآن ينسف هذا التوهم الواهي بصورة قاطعة و حاسمة و يقطع عليهم أحلامهم هذه إلى الأبد، فلا معنى لأي نوع من المساومة و اللين في مقابل الأصنام، و لا معبود إلّا اللّه، لا تزيد كلمة و لا تنقص أخرى.
ففي البداية يأمر النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم أن يخاطب جميع الناس: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ و لا تكتفي الآية بنفي آلهة أولئك، بل تثبت كل العبادة للّه سبحانه زيادة في التأكيد فتقول: وَ لكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ. و من أجل تأكيد أكبر تضيف: أنّ هذه ليست إرادتي فقط، بل وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
إنّ التأكيد هنا على مسألة قبض الروح فقط من بين صفات اللّه، أمّا لأنّ الإنسان إذا كان يشك في كل شيء فإنّه لا يستطيع أن يشك في الموت، أو لأنّ هذه الآية أرادت أن تنبه هؤلاء إلى مسألة العذاب و العقوبات المهلكة التي أشير إليها في الآيات السابقة، و لوحت بالتهديد بالغضب الإلهي.
و بعد أن بيّنت الآية العقيدة الحقة في نفي الشرك و عبادة الأوثان بكل صراحة و قوة، تطرقت إلى بيان دليل ذلك، دليل من الفطرة. و دليل من العقل:
وَ أَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً و هنا أيضا لم يكتف بجانب الإثبات، بل نفي الطرف المقابل لتأكيد الأمر، فقالت الآية: وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
«الحنيف»- كما قلنا سابقا- تعني: الشخص الذي يميل و يتحول عن طريق الانحراف إلى جادة الصواب و الاستقامة، و بتعبير آخر: يغض الطرف عن المذاهب و الأفكار المنحرفة، و يتوجه إلى دين اللّه المستقيم، ذلك الدين الموافق