الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٧ - المرحلة الثّانية
الحق. لأنّه يصب في طريق تقوية دعائم الظلم و الجور، فأي شخص لم يكن يعلم أنّ فرعون غاصب و ظالم و مفسد؟ و معه ألا تعتبر خدمة مثل هذا الجهاز الحاكم مشاركة في ظلمه و فساده؟ و هل يمكن أن يكون عمل هؤلاء صحيحا و إلهيا؟ كلّا مطلقا، و بناء على هذا كان من الواضح أنّ اللّه سيبطل هذه المساعي المفسدة.
هل أنّ التعبير ب «سيبطله» دليل على أنّ السحر حقيقة واقعية، إلّا أنّ اللّه يبطله؟
أم أنّ المقصود من الجملة هو أنّ اللّه يكشف كون السحر باطلا؟
إنّ الآية (١١٦) من سورة الأعراف تقول: إنّ سحر السحرة قد أثر في أعين الناس فخوفوهم به: فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ و هذا التعبير لا ينافي أن يكون هؤلاء قد أوجدوا نوعا من الحركات الواقعية في تلك الحبال و العصي بواسطة سلسلة من الوسائل المرموزة كما وقع ذلك في المفهوم و المعنى اللغوي للسحر، و خاصّة بالاستفادة من الخواص الفيزيائية و الكيميائية للأجسام المختلفة، إلّا أنّ من المسلّم به أنّ هذه الحبال و العصي لم تكن موجودات حيّة كما ظهرت أمام أعين الناس، كما قال القرآن في سورة طه الآية (٦٦): فَإِذا حِبالُهُمْ وَ عِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى. بناء على هذا، فإنّ بعض تأثير السحر واقعي، و البعض الآخر و هم و خيال.
و في الآية الأخيرة، إنّ موسى قال لهؤلاء: إنّ النصر و الغلب لنا في هذه المبارزة حتما. لأنّ اللّه سبحانه قد وعد أن يظهر الحق بواسطة المنطق القاطع، و معجزات أنبيائه القاهرة، و يفضح و يخزي المفسدين و أهل الباطل و إن كره المجرمون ذلك:
وَ يُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ.
و المراد من «كلماته» إمّا وعد اللّه بنصرة الرسل و إحقاق الحق، أو معجزاته القاهرة القوية [١].
[١] لقد بحثنا مفصلا جزئيات مواجهة موسى لفرعون و الفراعنة، و مسائلها الرائعة في ذيل الآيات (١١٣) و ما بعدها من سورة الأعراف من المجلد الخامس، و بحثنا السحر و حقيقته في المجلد الأوّل ذيل الآية (١٠٢) سورة البقرة، فراجع.