الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٦ - المرحلة الثّانية
يحاربه و يواجهه عن هذا الطريق؟ أم أنّه كان يعلم أنّه مرسل من اللّه، إلّا أنّه كان يظن أنّه يستطيع بواسطة ضجّة السحرة و غوغائهم أن يهدئ الناس، و يمنع مؤقتا خطر نفوذ موسى في الأفكار العامّة، و يقول للناس بأنّه إن جاء بعمل خارق للعادة فإنّنا غير عاجزين عن القيام بمثله، و إذا شاءت إرادتنا الملوكية ذلك، فإنّ مثل هذا الشيء سهل يسير بالنسبة لنا! و يبدو أنّ الاحتمال الثّاني أقرب، و يؤيد ذلك سائر الآيات المرتبطة بقصّة موسى التي وردت في سورة طه و أمثالها، و أنّه هبّ لمجابهة موسى عن وعي و دراية.
على كل حال: فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ.
جملة أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ تعني في الأصل: ألقوا كل ما تستطيعون إلقاءه، و هذا إشارة إلى الحبال و العصي الخاصّة التي كان جوفها خاليا، وصبت فيه مواد كيماوية خاصّة بحيث أنّها تتحرك و تتقلب إذا ما قابلت نور الشمس. و الشاهد على هذا الكلام الآيات التي وردت في سورة الأعراف و الشعراء، ففي الآية (٤٣)- (٤٤) من سورة الشعراء نقرأ: قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَ عِصِيَّهُمْ وَ قالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ. و لكن من الطبيعي أنّها تتضمن هذا المعنى أيضا بأنّ أظهروا كل ما تملكون من القدرة في الميدان.
على كل حال، فإنّ هؤلاء قد عبؤوا كل ما يملكون من قدرة، و ألقوا كل ما أتوا به- معهم في وسط الحلبة: فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ فأنتم أفراد فاسدون و مفسدون لأنّكم تخدمون حكومة جبارة و ظالمة و تعملون على تقوية دعائم هذه الحكومة الغاشمة الدكتاتورية و هذا بنفسه أقوى دليل على كونكم مفسدين، و إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ.
في الواقع، إنّ كل إنسان ذي عقل و علم يستطيع أن يدرك هذه الحقيقة حتى قبل انتصار موسى على السحرة، و هي أنّ عمل السحرة لا يقوم على أساس من