الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٢ - مظاهر و تجليات جديدة من إعجاز القرآن
أو الجهل بالدروس و العبر التي هي الهدف النهائي من ذكر تاريخ الماضين.
إن مجموع هذه الجهالات و الضلالات كانت تحملهم على الإنكار و التكذيب، في حين أن تأويل و تفسير و تحقق المسائل المجهولة بالنسبة لهؤلاء لم يبيّن بعد وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ.
«التأويل» في أصل اللغة بمعنى إرجاع الشيء و على هذا فإنّ كل عمل أو قول يصل إلى هدفه النهائي نقول عنه: إن تأويله قد حان وقته، و لهذا يطلق على بيان الهدف الأصلي من إقدام معين، أو التّفسير الواقعي لكلمة ما، أو تفسير و إعطاء نتيجة الرؤيا، أو تحقق فرضية في ارض الواقع، اسم التأويل. و قد تحدثنا بصورة مفصلة حول هذا الموضوع في المجلد الثّاني ذيل الآية (٧) من سورة آل عمران.
ثمّ يضيف القرآن مبينا أن هذا المنهج الزائف لا ينحصر بمشركي عصر الجاهلية، بل إنّ الأقوام السابقين كانوا مبتلين أيضا بهذه المسألة، فإنّهم كانوا يكذبون الحقائق و ينكرونها دون السعي لمعرفة الواقع، أو انتظار تحققه: كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. و قد مرت الإشارة أيضا في الآيات (١١٣) و (١١٨) من سورة البقرة إلى وضع الأمم السابقة من هذه الناحية.
الواقع، إنّ عذر هؤلاء جميعا كان جهلهم و رغبتهم عن التحقيق و البحث في الحقائق الواقعية، في حين أن العقل و المنطق يحكمان بأنّه لا ينبغي للإنسان انكار ما يجهله مطلقا، بل يبدأ بالبحث و التحقيق.
و في النهاية و جهت الآية الخطاب إلى النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و قالت: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ أي إنّ هؤلاء سيلاقون أيضا نفس المصير.
و أشارت الآية الأخيرة من آيات البحث إلى فئتين عظيمتين من المشركين، فتقول: إنّ هؤلاء لا يبقون جميعا على هذا الحال، بل إنّ جماعة منهم لم تخمد فيهم روح البحث عن الحق و طلبه و سيؤمنون بالقرآن في النهاية. في حين أن الفئة الأخرى ستبقى في عنادها و إصرارها و جهلها، و سوف لا تؤمن أبدا: وَ مِنْهُمْ مَنْ