الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢١ - صفات المؤمنين الحقيقيين
إنّ كلمة (الرحمة) التي ذكرت هنا لها مفهوم واسع، و يدخل ضمنه كل خير و بركة و سعادة، سواء في هذه الحياة أو في العالم الآخر، و هذه الجملة في الواقع جاءت مقابلة لحال المنافقين الذين لعنهم اللّه و أبعدهم عن رحمته.
و لا شك أنّ وعد اللّه للمؤمنين قطعي و يقيني لأنّ اللّه قادر و حكيم، و لا يمكن للحكيم أن يعد بدون سبب، و ليس اللّه القادر بعاجز عن الوفاء بوعده حين وعد إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
الآية الثّانية شرحت جانبا من هذه الرحمة الإلهية الواسعة التي تعم المؤمنين في بعديها المادي و المعنوي. فهي أوّلا تقول: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، و من خصائص هذه النعمة الكبيرة أنّها لا زوال لها و لا فناء، بل الخلود الأبدي، لذا فإن المؤمنين و المؤمنات سيكونون خالِدِينَ فِيها.
و من المواهب الإلهية الأخرى التي سوف ينعمون بها هي المساكن الجميلة، و المنازل المرفهة التي أعدها اللّه لهم وسط الجنان وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ.
(عدن) في اللغة تعني الإقامة و البقاء في مكان ما، و لهذا يطلق على المكان الذي توجد فيه مواد خاصّة اصطلاح (معدن)، و على هذا المعنى فإنّ هناك شبها بين الخلود و عدن، لكن لما أشارت الجملة السابقة إلى مسألة الخلود، يفهم من هذه الجملة أن جنات عدن محل خاص في الجنّة يمتاز على سائر حدائق الجنّة.
لقد وردت هذه الموهبة الإلهية بأشكال و تفسيرات مختلفة في الرّوايات و كلمات المفسّرين، فنطالع
في حديث عن النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم: «عدن دار اللّه التي لم ترها عين، و لم يخطر على قلب بشر، لا يسكنها غير ثلاثة: النّبيين، و الصدّيقين، و الشّهداء» [١].
و
في كتاب الخصال نقل عن النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم قوله: «من سرّه أن يحيا حياتي، و يموت مماتي، و يسكن جنتي التي واعدني اللّه ربّي، جنات عدن ... فليوال علي بن أبي
[١] مجمع البيان، ذيل الآية.