الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٥ - التعرّف على المنافقين!
لا هذا و لا ذاك؟! و قد جنح البعض إلى الإفراط إلى درجة أنّهم أساؤوا إلى مقام النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و ساحته المقدّسة، و زعموا أن الآيات المذكورة أنفا دليل على إمكان صدور العصيان و الذنب من قبل النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم، و لم يراعوا- على الأقل- الأدب الذي رعاه اللّه العظيم في تعبيره عن نبيّه الكريم، إذ بدأ بالعفو ثمّ ثنى بالعتاب و المؤاخذة، فوقعوا في ضلال عجيب.
و الإنصاف أنّه لا دليل في الآية على صدور أي ذنب أو معصية من النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و حتى ظاهر الآية لا يدلّ على ذلك، لأنّ جميع القرائن تثبت أن النّبي سواء أذن لهم أم لم يأذن، فإنّهم لم يكونوا ليساهموا في معركة تبوك، و على فرض مساهمتهم فيها لم يحلّوا مشكلة من أمر المسلمين، بل يزيدون الطين بلة، كما سنقرأ في الآيات التالية قوله تعالى: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا.
فبناء على ذلك فإنّ المسلمين لم يفقدوا أيّة مصلحة بإذن النّبي لأولئك بالانصراف، غاية الأمر أنّه لو لم يأذن النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم لهم فسرعان ما ينكشف أمرهم و يعرفهم المسلمون، غير أنّ هذا الموضوع لم يكن من الأهمية بحيث أنّ ذهابهم و فقدانهم موجبا لارتكاب ذنب أو عصيان.
و ربّما يمكن أن يسمى ذلك تركا للأولى فحسب، بمعنى أنّ إذن النّبي لهم في تلك الظروف، و بما أظهره أولئك المنافقون من الأعذار بأيمانهم، و إن لم يكن أمرا سيئا، إلّا أن ترك الإذن كان أفضل منه، لتعرف هذه الجماعة بسرعة.
كما يحتمل في تفسير الآية هو أنّ العتاب أو الخطاب المذكور آنفا إنّما هو على سبيل الكناية، و لم يكن في الأمر حتى «ترك الأولى» بل المراد بيان روح النفاق في المنافقين ببيان لطيف و كناية في المقام.
و يمكن أن يتّضح هذا الموضوع بذكر مثال فلنفرض أن ظالما يريد أن يلطم وجه ابنك، إلّا أن أحد أصدقائك يحول بينه و بين مراده فيمسك يده فقد تكون