الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦١ - الكسالى الطّامعون
و العجيب أنّ عددا من «خيوط العنكبوت» المنسوجة على مدخل الغار كانت سببا لانحراف فكر الأعداء الألداء، و أن يعودوا قافلين آيسين بعد وصولهم إلى هذا الغار، و أن يسلم النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم من كيدهم.
فحيث أنّ بإمكان اللّه أن يغيّر مسير التأريخ، ببضعة خيوط من نسيج العنكبوت، فأية حاجة بهذا أو ذاك ليبدي كلّ معاذيره!! و في الحقيقة فإنّ جميع هذه الأوامر هي لتكامل المسلمين أنفسهم، لا لرفع الحاجة لدى اللّه سبحانه ... و تعقيبا على هذا الكلام يدعو المؤمنين جميعا مرّة أخرى- دعوة عامّة- نحو الجهاد و يعنف المتسامحين فيقول سبحانه: انْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالًا.
«الخفاف» جمع الخفيف، «الثقال» جمع الثقيل، و لهاتين الكلمتين مفهوم شامل يستوعب جميع حالات الإنسان. أي انفروا في أية حالة كنتم شبابا أم شيوخا، متزوجين أم غير متزوجين، تعولون أحدا أم لا تعولون، أغنياء أم فقراء، مبتلين بشيء أم غير مبتلين، أصحاب تجارة أو زراعة أم لستم من أولئك! فكيف ما كنتم فعليكم أن تستجيبوا لدعوة الداعي إلى الجهاد، و أن تنصرفوا عن أيّ عمل شغلتم به، و تنهضوا مسرعين إلى ساحات القتال، و في أيديكم السلاح.
و ما قاله بعض المفسّرين من أنّ هاتين الكلمتين تعنيان مثلا واحدا ممّا ذكرنا آنفا، لا دليل عليه أبدا، بل إنّ كل واحد ممّا ذكرناه مصداق جلي لمفهومها الوسيع.
ثمّ تضيف الآية قائلة: وَ جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ أي جهادا مطلقا عاما من جميع الجهات، لأنّهم كانوا يواجهون عدوّا قويّا مستكبرا، و لا يتحقق النصر إلّا بأن يجاهدوا بكل ما وسعهم من المال و الأنفس.
و لئلا يتوهّم أحد أنّ هذه التضحية يريدها اللّه لنفسه و لا تنفع أصحابها، فإنّ الآية تضيف قائلة: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.