الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٩ - قصّة صاحب النّبي في الغار
سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ يعود على أبي بكر، لأنّ النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم لم يكن بحاجة إلى السكينة، فنزول السكينة إذن كان على صاحبه، أي أبي بكر.
إلّا أنّه مع الالتفات إلى الجملة التي تليها وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها و مع ملاحظة اتحاد المرجع في الضمائر، يتّضح أن الضمير في «عليه» يعود على النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم أيضا، و من الخطأ أن نتصور بأنّ السكينة إنّما هي خاصّة في مواطن الحزن و الأسى، بل ورد في القرآن- كثيرا- التعبير بنزول السكينة على النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و ذلك حين يواجه الشدائد و الصعاب، و من ذلك ما جاء في الآية (٢٦) من هذه السورة أيضا في شأن معركة حنين ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
كما نقرأ في الآية (٢٦) من سورة الفتح أيضا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مع أنّه لم يرد في الجمل و التعابير المتقدمة على هاتين الجملتين أي شيء من الحزن و ما إلى ذلك، و إنّما ورد التعبير عن مواجهة الصعاب و التواء الحوادث ...
و على كل حال، فإنّ القرآن يدلّ أن نزول السكينة إنّما يكون عند الشدائد، و ممّا لا ريب فيه أنّ النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم كان يواجه اللحظات الصعبة و هو في (غار ثور)! و الأعجب من كل ما تقدم أن بعضا قال: بأنّ التعبير وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها يعود على أبي بكر. مع أنّ جميع المحاور في هذه الآية تدور حول نصرة اللّه نبيّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم، و القرآن يريد أن يكشف أنّ النّبي ليس وحده، و إذا لم ينصره أحد من أصحابه و جماعته، فإنّ اللّه سينصره. فكيف يمكن لأحد أن يترك الشخص الذي تدور حوله بحوث الآية، و يتّجه نحو شخص ثانوي و تبعي في منظور الآية؟! و هذا يدلّ على أن التعصب بلغ حدّا بأصحابه، بحيث منعهم حتى من الالتفات إلى معنى الآية.