الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣٤ - شروع الطّوفان
الغرق و بمقتضى عفوه و غفرانه يتجاوز عن أخطائكم.
و أخيرا حانت اللحظة الحاسمة، إذ صدر الأمر الإلهي فتلبدت السماء بالغيوم كأنّها قطع الليل المظلم، و تراكم بعضها على بعض بشكل لم يسبق له مثيل، و تتابعت أصوات الرعد و ومضات البرق في السماء كلها تخبر عن حادثة «مهولة و مرعبة جدّا».
شرع المطر و توالى مسرعا منهمرا أكثر فأكثر، و كما يصفه القرآن في سورة القمر فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ.
و من جهة أخرى ارتفعت المياه الجوفية بصورة رهيبة بحيث تفجرت عيون الماء من كل مكان.
و هكذا اتصلت مياه الأرض بمياه السماء، فلم يبق جبل و لا واد و لا تلعة و لا نجد إلّا استوعبه الماء و صار بحرا محيطا خضمّا .. أمّا الأمواج فكانت على أثر الرياح الشديدة تتلاطم و تغدو كالجبال. و سفينة نوح و من معه تمضي في هذا البحر وَ هِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَ نادى نُوحٌ ابْنَهُ وَ كانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَ لا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ فإنّ مصيرك الى الفناء إذا لم تركب معنا.
لم يكن نوح هذا النّبي العظيم أبا فحسب، بل كان مربيّا لا يعرف التعب و النصب، و متفائلا بالأمل الكبير بحيث لم ييأس من ابنه القاسي القلب، فناداه عسى أن يستجيب له، و لكن- للأسف- كان أثر المحيط السيء عليه أكبر من تأثير قلب أبيه المتحرّق عليه.
لذلك فإنّ هذا الولد اللجوج الأحمق، و ظنّا منه أن ينجو من غضب اللّه أجاب والده نوحا و قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ و لكنّ نوحا لم ييأس مرّة أخرى فنصحه أن يترك غروره و يركب معه و قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ و لا ينجو من هذا الغرق إلّا من شمله لطف اللّه إِلَّا مَنْ رَحِمَ.