الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٦ - ٢- مقياس معرفة الفضيلة
مصلحة كما نرى الإشارة إليه في الآيتين (٢٦ و ٢٧) من سورة الجن عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً، إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً.
فعلى هذا لا منافاة و لا تضادّ بين هذه الآيات- محل البحث- التي تنفي أن يعلم الأنبياء الغيب، و بين الآيات أو الرّوايات التي تنسب إلى الأنبياء أو الأئمّة العلم ببعض الغيب.
فمعرفة أسرار الغيب و الاطلاع عليها من خصوصيّات اللّه بالذات، و ما عند الآخرين فبالعرض و «بالتعليم الإلهي»، و لذلك فإنّ علم الغيب عند غير اللّه محدود بالحدود التي يريدها اللّه سبحانه [١].
٢- مقياس معرفة الفضيلة:
مرّة أخرى نواجه الواقعية في هذه الآيات، و هي أن أصحاب الثروة و القوة و عبيد الدنيا الماديّين يرون جميع الأشياء من خلال نافذتهم المادية .. فهم يتصورون أنّ الاحترام و الشخصيّة هما ثمرة وجود الثروة و المقام و الحيثيات فحسب، فلا ينبغي التعجب من أن يكون المؤمنون الصادقون الذين خلت أيديهم من المال و الثروة في قاموسهم «أراذل» و ينظرون إليهم بعين الاحتقار و الازدراء.
و لم تكن هذه المسألة منحصرة في نوح و قومه، إذ كانوا يصفون المؤمنين المستضعفين حوله- و لا سيما الشباب الوعي منهم- بأنّ عقولهم خالية و أفكارهم قاصرة، و كأنّهم لا قيمة لهم. فالتاريخ يكشف أن هذا المنطق كان موجودا في عصر الأنبياء الآخرين و على الأخصّ في زمن نبي الإسلام صلى اللّه عليه و آله و سلّم و المؤمنين الأوائل.
كما نرى الآن مثل هذا المنطق في عصرنا و زماننا، فالمستكبرون الذين يمثلون فراعنة العصر- اعتمادا على سلطانهم و قدراتهم و قواهم الشيطانية- يتهمون
[١] لمزيد من الإيضاح يراجع ذيل الآية (٥٠) من سورة الأنعام و ذيل الآية (١٨٨) من سورة الأعراف.